70 في المئة من القرارات الزوجية… للنساء الرجال ينسحبون بهدوء وطواعية من المنافسة على القيادة

0

الأسر التي تكون فيها المرأة صاحبة التحكم بقراراتها تتميز بالاستقرار وقوة العلاقة الزوجية

القاهرة – محمد اسماعيل:

رغم أن الرجل (سي السيد) ظل لوقت قريب المتحكم الأول في القرارات وفرض الكلمة بالحياة الزوجية، كان يقول فيستمع لكلامه ويأمر فيطاع، ويدير دفة الأمور في المنزل، ويتحمل مسؤولية اتخاذ القرار وما على الزوجة إلا التنفيذ وعدم الاعتراض، وكانت المرأة مهمشة ولم يكن لها دور يذكر في اتخاذ القرار، لكن باتت المرأة تسير حقا نحو قدر أكبر من المشاركة واتخاذ القرار في الحياة العامة وحياتها الأسرية بشكل خاص، فالرجل دون أن يدري قام بالتخلي عن الامساك بزمام الأمور، ومقاليد الحكم الحقيقية في البيت لصالح المرأة، وأصبحت المسؤولة عن اتخاذ القرارات الصعبة والمصيرية داخل البيت، وباتت موكلة بحل جميع المشكلات التي تتعلق بأمور المنزل والاهتمام بشؤون الأولاد وادارة المصروف، وكذلك النشاطات الترفيهية والواجبات الاجتماعية وتنفرد بكل القرارات.
وأظهرت دراسة اجتماعية حديثة أجراها باحثون في جامعتي «بيركين وتشارلز» بالعاصمة التشيكية براغ، أنه رغم الاختلافات بين الجنسين فانّ المرأة قادرة بذكائها ومعرفتها الدقيقة بعقلية الرجل على أن تقوده بالطريقة التي تشاء في المنزل وفي كل تصرفاته، وقالت الدراسة أن المرأة استطاعت أن تعود زوجها على لغة تواصل واضحة حول المشاركة في الأعمال المنزلية، وأضافت أن أكثر من 70 في المئة من النساء يتحكمن بالقرارات في الحياة الزوجية، والمرأة ان لم تتخذ القرارات فانها تحض الرجل على اتخاذها، فيعتقد الآخرون أن الرجل هو صاحب قرار ما، ولكن في الحقيقة من يقف وراء هذا أو ذلك القرار هي امرأة، وأشارت الدراسة إلى ان المرأة تهتم بتفاصيل الأمور أكثر من الرجل، وتعد هذه من الحقائق التي تجعل الرجل سهل الانقياد، فغياب التفاصيل عنه يجعله يعتقد أنها على حق، وينفذ ما تريده، واعتبرت الدراسة أنه بامكان المرأة قيادة الرجل بالطريقة التي تشاء، فالرجل طفل لا ينمو من حيث طيبة القلب، وهذا الوصف لا يعني أنه ضعيف، بل هو قوي عندما يعلم فقط أن المرأة تحبه وتحترمه.وقالت الدراسة التي شملت 340 امرأة ورجلا أن نسبة الأسر التي يكون فيها تحكم النساء بالقرارات في الحياة الزوجية تفوق نسبة الأسر التي تسود فيها قرارات الرجل مؤسسة الزواج، وأن الأسر التي تكون فيها المرأة صاحبة التحكم بالقرارات تتميز بالاستقرار والفاعلية وقوة العلاقات الزوجية، وأن تحكم النساء بالقرارات في الحياة الزوجية لا تعني استعمال العنف، وأضافت الدراسة أن النساء يتخذن معظم قرارات الأسرة المعيشية، ويتحكمن في الحريات الشخصية للأزواج، كاللباس والأماكن التي يذهبن اليها، وفي هذا التحقيق نعرض لأراء الأزواج والزوجات وعلماء النفس والاجتماع والدين حول تحكم النساء بالقرارات في مؤسسة الزواج،
تقول أسماء شاهين مدرسة وتبلغ من العمر 38 عاما وأم لطفلين، أن المرأة لم تعد الكائن الضعيف المهمش، بل أصبحت الآمر الناهي في شؤون الأسرة، ويقع على عاتقها اتخاذ كافة القرارات المصيرية التي تخص كل أفراد الأسرة وفي مقدمتها شؤون الزوج والأولاد والعلاقات الاجتماعية، فعصر الجواري قد انتهى، ولم تعد ادارة المنزل والتحكم بالقرارات تقتصر على الرجال فقط، بل النساء يلعبن دورا أساسيا في تقريرها وتنفيذها أو الحض عليها، فقد ذهبت العادات والتقاليد والأعراف التي كانت تحجم دور المرأة في التحكم واتخاذ القرارات في الحياة الزوجية، والتي كانت ترى أن المرأة وغير مؤهلة كي تعطي قرارات هامة في المنزل أو حتى أن تشارك فيه، أو تبدي رأيها تجاه أية مسألة صغيرة أو كبيرة، باستثناء الطبخ والتنظيف إلى غير رجعة.
وتتفق هالة علاء مهندسة وتبلغ من العمر 45 عاما وأم لثلاثة أطفال، مع ما المرأة ان لم تكن صاحبة الارادة المنفذة للقرارات التي تخص الأسرة والحياة الاجتماعية والعائلية، فانها صاحبة الارادة المحركة فكثيرا ما نرى المرأة تلعب دورا أساسيا في التدبير والتخطيط والتوجيه والايحاء للرجل، ثم يقوم الرجل بتحويل كل هذا إلى عمل تنفيذي خاصة اذا كانت المرأة ذكية وأكتفت بتحريك ارادته دون أن تعلن ذلك أو تتفاخر به، فالكثير من النساء يمتلكن دراية وخبرة وثقافة جيدة في الحياة تؤهلهن لاتخاذ أفضل القرارات لصالح الأسرة.
أما المحاسب حسين عمر والذي تجاوز الخمسين من عمره، فيرفض بشكل قاطع تحكم النساء في قرارات الحياة بشكل عام والتي تخص الحياة الزوجية بشكل خاص، ويرى أن هذا السلوك يتعارض مع قوامة الرجال على النساء ويعتقد أن الرجل دائما على صواب، ويجب أن يكون هو الآمر الناهي في المنزل وأن كلمته لا تصير اثنتين، ويجب على المرأة أن ترضخ لقرار زوجها دون افتعال أي مشكلات، ويتعجب من بعض الرجال الذين يتركون القيادة للمرأة رغم قدرتهم وثقافتهم العالية، فالمرأة لا تصلح لادارة كل شؤون الحياة بما فيها المنزل، وهناك زوجات يغلب عليهن طابع الأنانية، ومحبات للسيطرة والتحكم في كل ما يخص البيت، وينظرن إلى الرجل بوصفه من ممتلكاتهن.
ويقول محمود علام موظف ويبلغ من العمر 55 عاما، أن مسألة التحكم واتخاذ القرارات في البيت الآن اختلفت، ففي الماضي كانت تقع بالكلية على الرجل والمرأة ليس عليها سوى السمع والطاعة، أما الآن فقد أصبح للمرأة دورا كبيرا في التحكم واتخاذ القرارات بالحياة الزوجية بفعل التغييرات الثقافية والاجتماعية ودعاوي التحرر وتغلغل الشبكة العنكبوتيه ووسائل التواصل الاجتماعي في شؤون الأسرة، فالحياة لا يمكن أن تستقيم بين الزوجين سوى بالتعاون والمشاركة في اتخاذ القرارات، وأصبح المجتمع على درجة من الوعي لأهمية دور المرأة في حياة الرجل والأسرة، ولم يعد بوسع الرجل اتخاذ القرارات بطريقة تعسفية وانما تتم بالتشارك والتفاهم، فالمرأة في أغلب الأحيان تعطي حلولا وليس قرارات، وتدرك أن الزوج يرضي بدافع الحب والثقة.
يؤكد الدكتور أسامة محمود أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان، أن مسألة التحكم في اتخاذ القرارات في الحياة الزوجية لم يعد حكرا على الزوج الذي كان يقحم أنفه في كل شيء ويغضب ان تم أمر دون علمه، فقد أصبح للمرأة أيضا حق في أدارة شؤون الحياة الزوجية وبات لها كلمة مسموعة وذات قيمة تسمح أو ترفض، ولذا أصبح من الأفضل أن يتخذ أي قرار في مؤسسة الأسرة بالتفاهم المتبادل بين الزوجين الرجل والمرأة، لتسير الحياة خالية من أية مشكلات يمكن أن تخل بنظام العائلة، وحتى لا يتحول اتخاذ القرار داخل الأسرة إلى موضوع خلاف بين الكثير من الأزواج والزوجات، فالأسرة المتفاهمة لا تضع في تفكيرها من يسيطر، بل تتخذ القرارات فيها من قبل الزوج والزوجة معا دون أن يكون هناك قرار منفرد.
وأضاف أن توزيع الأدوار في الحياة الزوجية اختلف وأصبحت المرأة مسؤولة وصاحبة قرار داخل وخارج المنزل، وهذا لا يلغي دور الرجل في المشاركة وابداء الرأي، وأن تحكم النساء في اتخاذ القرارات بالحياة الزوجية يكمن في مجموعة من الأسباب يأتي على رأسها قدراتهن على الاقناع وتوضيح الأمور، واستخدامهن ذكائهن وراجحة عقولهن وملكة التفكير والتحليل تجعلهن المؤثر الأكبر في قرارات الحياة الزوجية، إلى جانب رغبة الكثير من النساء في تحمل المسؤوليات وايجاد الحلول لكل المشكلات، بسبب ضعف حس الرجال بالمسؤولية تجاه أي أمر في الحياة الزوجية، سواء كان يتعلق بالزوجة أو ا?بناء أو حتى الزوج نفسه، وأيضا هناك نساء يعتبرن بيت الزوجية مملكتهن الخاصة التي يجب أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة فيها لهن، فتبحث عن الطريقة المثلي لكسب ثقة زوجها ومحبته حتى يعطيها صلاحية اتخاذ القرارات داخل المنزل وخارجه، علاوة على أن التغييرات الثقافية والنمو والتطور السريع في المجتمع، بما في ذلك تعدد وسائل التواصل التكنولوجية والاجتماعية، وضرورة وجود المرأة في التعاملات الرسمية خارج المنزل، وانبهار الزوجة أحيانا بالمظاهر الخادعة، والمحيط المجتمعي الذي قد يمجد المرأة المتخذة للقرارات والتي تدير دفة الأسرة ساعد كثيرا على تملك المرأة زمام الأمور وأعطاها الحق في صلاحية اتخاذ القرارات الهامة والمؤثرة في مستقبل الحياة الزوجية.
أيضا من الأسباب التي مكنت النساء من التحكم واتخاذ القرارات مشاهدة المسلسلات ورؤية الأفلام التي تحرض ضد قوامة الرجل وتدعوا المرأة لطلب المساواة والتمرد على الزوج، إلى جانب شخصية المرأة القوية والمسيطرة وضعف الرجل وقلة ثقته في نفسه، فالمرأة كلما شعرت أن زوجها تخلي عن مسؤولياته أو شعرت بضعفه، فانها قد تتولي زمام القرار في الحياة الزوجية، وأن تحمل المرأة وادارتها لكل ما يتعلق بشؤون الحياة الأسرية، لا يعني بالضرورة سيطرتها على المنزل، وانما يزيد ويعزز مكانتها.
يقول الدكتور شريف توفيق استشاري الصحة النفسية: تحكم النساء في اتخاذ القرارات في الحياة الزوجية يعيد لهن استقرارهن النفسي ومكانتهن الاجتماعية ويساعدهن في الحصول على حقوقهن في المساواة وصلاحيات لم يحلمن بها، فعقد الزواج لا يحمل شروطا شرعية تمنع الزوجة من اتخاذ القرارات التي تهم الأسرة، بل هو بناء قائم على التراضي والتفاهم، والحب والثقة المتبادلة بين الزوجين وهي أكبر المؤثرات في تحكم المرأة بالقرارات في الحياة الزوجية، ففهم المرأة طبيعة الرجل واحتياجاته مفتاح استقرار الحياة الزوجية وطريق للامساك بزمام الأمور، فالزوجة مطالبة بان يكون لها رأي تشير به على الزوج أو تحتفظ به لنفسها وتحارب بضراوة عن حقها الطبيعي في امتلاك القرار والكلمة النافذة في الأسرة مهما كانت القرارات مصيرية أو تافهة، فالنساء من يتخذن القرارات الهامة والصعبة داخل وخارج الأسرة ويوجهن الدفة داخل الأسرة أثناء غياب الزوج لسفر أو غير ذلك، فالمرأة ربة المنزل ولها حرية التصرف فيه ولكن بعد منحها الثقة من قبل الزوج، وتظهر رجاحة الزوجة وأرائها الصائبة وأفكارها الصحيحة ووجهات نظرها السديدة في الأوقات الصعبة والحرجة، مثل الأزمات المالية وضغوط العمل.
ومشاركة المرأة في القرار ليس عيبا أو حراما ولكن الخطأ ترسيخ فكرة أن الزوج أداة لابد من امتلاكها بالكامل، وقد ساعد تخلص المجتمع من العادات والتقاليد والمورثات البالية والقديمة والمعرقلة والمعوقة والمحجمة لدور المرأة في تحكم النساء في القرارات بالحياة الزوجية.
يقول الدكتور مصطفى حمدى أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن المولى سبحانه وتعالى منح القوامة للرجل لما يتمتع به من قدرة على الانفاق والحزم والقدرة على التدبير والحكمة والادارة والتي قلما تتوافر عند النساء في اتخاذ القرارات وتدبير شؤون المنزل، كما أن الحق جعل الرجل الآمر والنهي والموجه والزجر ومن له الولاية والرعاية والنفقة داخل البيت، فقال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَي النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَي بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَاِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا اِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا?، (سورة النساء الآية: 34). والقوامة لا تعني السطوة والاستبداد والقوة والاستعباد والعنف وانما مسؤوليات وهيبة ومشاركة في الرأي وتفاهم على القرارات المصيرية والمؤثر في مستقبل الأسرة والحياة الزوجية، كما أن تحكم النساء في اتخاذ القرارات لا يعطيهن الحق أن يصبحن الآمرات والناهيات وهن من يحاسبن أزواجهن وليس هم من يحاسبهن، ويتنافي مع القوامة أن لا يستطيع الرجل أن يقول لزوجته لا أو يرفض لها قرار يرى أنه غير صائب ويضر بمصلحة الأسرة والحياة الزوجية، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم حدود مسؤولية الزوجين في الحياة الزوجية فقال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الامام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، فهكذا يكون شكل العلاقة بين الزوجية في المؤسسة الزوجية دون سيطرة وتحكم طرف في اتخاذ القرارات على حساب الآخر.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

13 − ستة =