منذ أن استتب الأمر لمضعفي الدولة لم يعد طموحنا أن نصبح مثل كوريا الجنوبية أو ماليزيا
يقولون أن سورية سايكس-بيكو, ولولا سايكس-بيكو لما كانت سورية, التي يتقاوى عليها الآن, كل من هب ودب بفضل مركب أمني شخصاني طائفي نهاب, صدقني أبو بيسان, لا أكتب هنا بصفة معارض.
أخبار انتهاء حكمكم وخروجكم من السجن أفرحني كثيرا ولكنه أحزنني أكثر, لأننا على ما يبدو, لاعزاء لنا,
تجمعت أقلام ومصالح وطوائف وإسلام سياسي وعلمانيون جدد وأتراك وإيرانيون وإسرائيليون وأوروبيون والديمقراطي الأميركي أوباما, وساركوزي وكيل شركة "داسو" لانتاج الأسلحة, أقلام لا تعترف حتى بشرعية سورية, لأن سورية لم يعد فيها دولة..منذ أن تصحح المسار طائفيا عام 1970, أقلام تريد توحيدها تارة مع تركية وتارة عربية وأقلام تريد تقسيمها, أقلام لم تاخذ من التجربة العراقية سوى خوفها على النظام, لم تأخذ أن المركب السلطاني الفاسد أنهى الدولة, .فإما ان يبقى وإما أن تذهب الدولة, فهل ستذهب سورية?
أبو النور, الحرية عزاء ولكن ..... أين هي?
فلا حرية من دون دولة ولا دولة من دون حرية, هل نتحول إلى معارضة هوامش, حكومة ومجلس شعب وحزب بعث, والسدة الأساسية هناك مصانة من أي تغيير? من شرفة قاسيون تتحول دمشق إلى مزرعة يعرف فيها كل داخل وخارج, وكل قرش يصرف, وآليات التوزيع للثروة السورية هذه, تارة يسمونها اشتراكية, وتارة يسمونها ليبرالية, وتارة يسمونها انفتاحا, لكن الأمر كله سلطاني مشخصن, يحيط به مركب بلا قانون.
الحرية الوحيدة المصانة في بلدنا هي حرية النهب, وأصبح للنهب نظاما وقانونا..وربما بعد لأي من الزمن يصبح له دستورا محدثا.
محنتنا في الغرب, ونجاتنا في الغرب, فأين المفر, فالغرب كل الجهات? مفارقة معقدة أليس كذلك?
التنظير للحالة الطبقية في سورية أمر مهم, والتنظير للحالة الطائفية أيضا, وفصل الشأن الكردي عن الشأن الوطني العام أمر يكاد يصل إلى مبتغاه!
كنا نقول أن ما تعرضنا ونتعرض له من سجون ومناف وقطع أرزاق, يكون عزاؤه في محاولتنا أن تكون سورية ديمقراطية وحرة لجميع أبنائها, ماذا نقول اليوم! أردوغان يحتل مساحة تغطي المركب السلطاني?
كنت ولازلت أدافع منذ زمن بعيد عن" أن جل طموحنا أن نصبح مثل مصر أو تونس أو المغرب! ولكن حتى هذه النماذج بكل ما فيها أصبحت الآن بعيدة المنال ... منذ أن استتب الأمر لمضعفي الدولة الضعيفة أصلا, لم يعد طموحنا أن نصبح مثل كوريا الجنوبية أو ماليزيا, بل كان طموحنا أن نصبح مثل مصر كما قلت, حتى هذا الحلم أحالوه رمادا.
أنا متأكد أنهم لن يستطيعوا حجز كل عقولنا, ولكن هل تكفي حرية عقولنا..لكي نكون مواطنين أحرار?
صديقي ورفيقي أبو بيسان, لا يسعني إلا أن أقول مبروك علينا جميعا خروجكم من السجن.
لا يسعنا إلا الاستمرار في النظر إلى المحاولة من أجل الحرية, كعزاء.
*كاتب سوري
ghassanmussa@gmail.com