واشنطن واختراق حاجز الثقافة

د. محمد الدعمي غدا الوجود الأميركي المباشر في الشرق الأوسط حالا غير طارئة ولا موقتة، اذ إن عقود الغياب والاتصال غير المباشر بدول وشعوب هذه المنطقة، خصوصا بعد انزلاق بؤرة الستراتيجية الأميركية من إقليم جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي إلى المشرق العربي الإسلامي، طوّرت الإدارات الأميركية المتعاقبة وجوداً مباشراً... وجوداً غير مأسور بالكلمة المكتوبة والحرف المطبوع، ولا بالعمل بالوكالة من خلال الوكلاء. درجة إمكانية الحديث اليوم عن "تاريخ" لهذا الوجود، وهو تاريخ قصير لا يتجاوز العقدين المشحونين بالتعقيدات والمعضلات التي تنذر…

رواسب “الحريم” في مجتمعاتنا الآن

أ.د. محمد الدعمي لم أخفِ سروري لحظة تسلمي الأمر الجامعي بتعييني رئيساً لقسم اللغة الإنكليزية بكلية التربية للبنات عام 1999، فهذا الموقع التربوي يشرف المرء، ويترك آثاراً طيبة في نفوس مئات الطالبات الدارسات في القسم المعني، بيد أني ما لبثت أن اكتشفت أني قد دخلت بهذا التعيين حقل ألغام، لا يمكن للمرء الخروج منه سالماً، نظراً لأن هذا القسم الدراسي كان مزدوجاً: (1) القسم الرسمي الأصلي؛ (2) القسم الظل. أما القسم الأول، فقد تمرست على إدارة مثيل له بكلية اللغات ـ جامعة بغداد قبيل بضعة أعوام من تسلمي العمل بهذا القسم "البناتي"…

نحن… والغرب

د. محمد الدعمي ثمة ضبابية في الرؤية باتجاه ما نسميه"غرباً"، ونحو ما صرنا نسميه "الغزو الثقافي". أي مسح شمولي لتضاريس الثقافة العربية في القرن الذي غادرناه باتجاه الألفية الجديدة، لن تخفق في الكشف عن تنوعات وتبرعمات أثر الثقافة الغربية علينا من خلال تباين المواقف العربية المثقفة من"الغرب"، بوصفه محكاً من محكات المناظرات والمجادلات، والجدل الساخن الذي يدور كل يوم تقريباً هنا وهناك عبر دول وطننا العربي زيادة على المهجر. ليس في ذلك مبالغة، فقضية الموقف من"الغرب" كما تتخيله ما تسمى"النخب" غدت جزءاً من هوية بعض الإتجاهات…

تأملات في إعادة كتابة التاريخ

د. محمد الدعمي تقودنا مناقشة موضوع"إعادة كتابة التاريخ"، الرائج في العالم العربي خلال هذه المرحلة، إلى ملاحظة حقيقة مهمة، وهي: إن دافعية وبواعث الاهتمام العربي، المشرقي خصوصا، بهذا الموضوع إنما تعبر عن حالة اللا يقين التي يعاني منها الإنسان العربي، المثقف خاصة. فإذا ما كان الحاضر صعب المراس وعصيا على الفهم والإدراك بوضوح، يكون المستقبل أكثر غيمية ومنبعاً للخوف والقلق، الأمر الذي يبرر اعتماد الماضي كأساس واحد للتيقن ولإعادة الثقة بالذات وبالقدرة على التوليد والتجدد. لذا كان التمسك بتقديس الأسلاف وانجازات الماضي القومي…

كيف نقرب المسافة بيننا وبين الآخر؟

د. محمد الدعمي دار الحديث عن العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في أوروبا دوراناً عجيباً، ثم ما لبث أن تلاشى وكأنه غيمة صيف عابرة. لا تنطلق أهمية الموضوع من مسببات الشخصيات التي ناقشته، ومنهم رؤساء دول وحكومات ومشكلو رأي عام، إنما من المعاني والدلالات الثقافية التي تفرزها فكرة هذه العلاقات، إذ يوضع الإسلام في جانب، وبقية أديان العالم في جانب آخر. وإذا كان البعض قد خلُص إلى مسببات متنوعة لتأثير أهمية هذا النقاش الدولي، فإن له أن يتجاوز التكهن بأن أهميته لا تنحسر في أوروبا، إنما تستبق نوعاً من الارتطام الثقافي، زد على…

استملاك ماضي العرب عنوة

د. محمد الدعمي استقطب التاريخ العربي الإسلامي اهتماماً متميزاً منذ الفكر الأوروبي ومرورا بالعصر الوسيط وحتى اليوم، ليس بسبب معطيات الجوار الجغرافي وما اكتنفه من تنافسات وصراعات فكرية وعسكرية عبر القرون، بل كذلك بسبب آليات التحدي والاستجابة التاريخية التي تتجسد اليوم بعامة في صياغتين مختلفتين لهذا التاريخ: واحدة عربية إسلامية محلية، وثانية غربية أجنبية، تحاول «استعراض» هذا التاريخ من موقع فوقي، إذ تشكله وتقرؤه على النحو الذي يوائم نظرتها ورؤيتها المعاصرة بغض النظر عن طبيعة المواقف العربية الإسلامية المعاصرة إزاء ماضيها،…

ألعاب الاستنجاد بالدول الغربية

د. محمد الدعمي لا يمر يوم دون أن تقدم لنا وكالات الأنباء والفضائيات قصصاً وأنباء عن «هروب» أو لجوء واحد أو أكثر من مواطني الدول الشرقية، المبتلاة بعضها بالحكومات الشمولية أو بالتقاليد الاجتماعية البالية، إلى إحدى الدول الغربية. والحق، فإن ظاهرة الشكوى والالتجاء إلى»أحضان» الغرب تأخذ أشكالاً شتى، منحنية وملتوية ذات اليمين وذات الشمال بحسب أهواء السياسات الغربية وبضمن سياقات ما يسود العالم من صراعات سياسية،وتنافسات اقتصادية قد تصل حد النزاعات المسلحة. لذا فإن هذه الظاهرة، التي كانت تتجسد سابقاً بهروب عالم سوفياتي أو…

مرحى لـ”مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة”

د. محمد الدعمي لا يراودني الشك قط بأن نواة فكرة "مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة" تكمن في وعي المؤسس الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي، رئيس مجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، بأن" المعرفة إنما هي القوة"، كما ذهب فرنسيس بيكون، فاذا ما اراد المرء أن يكون قوياً فإن عليه أن يتسلح بالمعرفة، وتنطبق الحال ذاتها على الأمم والكيانات السياسية الدولية من نمط دولنا، في العالمين العربي والإسلامي. العالمان اللذان تأخرا كثيراً في مواكبة ركب التقدم العلمي والمعرفي والثقافي"لدهور"، لو كان هذا الطول الزمني مقبولاً…

تواريخ المستشرقين

د. محمد الدعمي للمتتبع أن يلاحظ أن عملية بناء الامبراطوريات الأوروبية انطوت في الوقت ذاته على عملية موازية بتفكيك الأقاليم المرشحة للضم، كمستعمرات، لغرض تيسير ابتلاعها ثم فرض الهيمنة عليها. وقد شملت "عملية التفكيك" أنشطة عدة أخرى، منها تأجيج وتغذية الفروقات الطائفية والإثنية وتهميش العلوم والمعارف الشرقية، والإقلال من شأن اللغات القومية والمحلية ونسف جميع أعمدة الثقافة الوطنية أو القومية. وقد ادى حقل الدراسات التاريخية في أوروبا دوراً لا يُستهان به في هذا المضمار. في هذا الجانب، لم يكن الأمر ليتحدد بعمليات تسفيه…

في التصحر الثقافي

د. محمد الدعمي تدور المناقشات والمجادلات هنا وهناك، عبر وسائل الإعلام، حول تقارير الأمم المتحدة بشأن التنمية البشرية في البلدان العربية. وتدور المناقشات دوراناً عجيباً لتستقر على نقاط ومحاور لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تقلب أو تغير الصورة القاتمة التي ترسمها التقارير الدولية، بل إن طبيعة الاستقبال العربي المثقف، وحتى نصف المثقف لهذه الخلاصات الأممية المشحونة بالدلالات والنذر المخيفة، بالنسبة لمستقبلنا ولمستقبل أجيالنا الصاعدة، تكرس الانطباعات والاختلالات التي تقدمها هذه التقارير على نحو رقمي دقيق لا مجال فيه للشكوك…