أربعون عاماً من العداء الأميركي ـ الإيراني يدفعه التوتر الحالي إلى مواجهة عسكرية بين البلدين مقتل سليماني زاد من حدته وحشد القوات والتهديدات

0 137

بعد مقتل قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني في 3 ينايرالجاري في غارة جوية أميركية في محيط مطار العاصمة العراقية بغداد، تصاعدت نذر المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وبلغ التوتر بين الطرفين درجة غير مسبوقة.
فقد أعلنت القوات الأميركية التي تعمل في إطار التحالف الدولي لمحاربة “الدولة الاسلامية”(داعش) وقف معظم عملياته العسكرية ضد التنظيم بعد تصاعد التهديدات الإيرانية والجماعات العراقية الموالية لها، باستهداف القواعد الأميركية في العراق وغيرها من دول المنطقة بغية تركيز جهدها على حماية نفسها، اضافة الى التطورات السياسية التي شهدها العراق اخيرا وتصاعد التهديدات بين الولايات المتحدة وايران، ما دفع الى زيادة احتمالات الحرب التي تقرع طبولها اليوم.
وفي ما يلي يلقي تقرير اعدته”بي بي سي عربية” الضوء على علاقات البلدين، وبخاصة خلال السنوات الأربعين الماضية، منذ إطاحة حكم الشاه محمد رضا بهلوي.

تهدئة عابرة
في يناير 2016 رفعت الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها على إيران بسبب برنامجها النووي بعد أن أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تنفيذ طهران التزاماتها الواردة في الاتفاق المعروف بـ”الاتفاق النووي الإيراني”، الذي تم التوصل إليه عام 2015 بعد جولات مضنية من المفاوضات في إطار مجموعة 5 زائد واحد ( الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والمانيا).
لكن في مايو 2018 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق كما تعهد بذلك خلال حملته الانتخابية، كما أعادت الولايات المتحدة فرض سلسلة عقوبات أشد صرامة من السابقة، شملت حتى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وبغية حرمان طهران من عائدات النفط، أعلنت واشنطن أنها ستعاقب أي جهة تشتري النفط الإيراني بحيث تراجعت مبيعاته إلى حد كبير.
في شهر مايو 2019 تعرضت أربع ناقلات نفط إلى هجمات في خليج عمان، وفي شهر يونيو من العام نفسه تعرضت ناقلتان أيضاً لهجومين، وحملت واشنطن طهران المسؤولية عن الهجمات، وترافق ذلك مع حشد الولايات المتحدة المزيد من الجنود والقوات في المنطقة، كادت تشن حملة قصف جوي ضد أهداف إيرانية في أعقاب إسقاط طائرة أميركية بلا طيار قرب مضيق هرمز، لكن ترامب أوقف الهجوم قبل عشر دقائق من الموعد المقرر.

عداء مستحكم
بنظرة سريعة على علاقات البلدين، يتضح أن العداء كان السمة الغالبة على علاقاتهما، وقد بدأ ذلك مع إطاحة حكومة محمد مصدق عام 1953 بعد تأميمه الثروة النفطية لإيران.
ولا زال الإيرانيون يذكرون حتى اليوم الدور الذي ادته المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في إطاحة حكم مصدق، فعندما أطيح حكم الشاه عام 1979 كانت السفارة الأميركية في طهران الهدف التالي لمجموعة من الطلاب المشاركين في الثورة.
في عام 1951 انتخب مجلس النواب الإيراني مصدق رئيسا للوزراء، وبعدها بأيام قليلة أصدر مصدق مرسوما بتأميم النفط والغاز، وهو ما أثار غضبا وخوفا لدى بريطانيا والولايات المتحدة، كما رفض الشاه بعض الأسماء التي رشحها مصدق لتولي مناصب في حكومته، فما كان من الاخير سوى الاستقالة، فتلت ذلك أيام عدة من الاضطرابات ما اضطر الشاه إلى التراجع والموافقة على حكومة مصدق.
كما أقر البرلمان مشروع قانون تقدم به مصدق للحد من سلطات الشاه، لكن في أغسطس 1953 أطاح الجيش مصدق.
رتبت المخابرات المركزية الأميركية ونظيرتها البريطانية عملية الإطاحة هذه، رغم ان مصدق كان يتمتع بتأييد شعبي واسع، وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم. وبعد العودة إلى الحكم، صار الشاه من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وأكثرهم موالاة لها، وكانت إيران منذ بداية الحرب العالمية الأولى ضمن منطقة نفوذ بريطانيا، التي كانت تحتكر النفط في البلاد عبر شركة النفط الانغلو-إيرانية التي حملت فيما بعد اسم”بريتش بتروليوم”.بعودة الشاه، أصبحت إيران خارج دائرة النفوذ البريطاني، وتحولت حليفا قويا للولايات المتحدة في وجه المد اليساري الذي كان يجتاح المنطقة، وعلى الاثر شن محمد رضا بهلوي حملة قمع واسعة ضد اليسار ورجال الدين المعارضين له، فاضطر عدد كبير منهم إلى الفرار إلى الخارج.

محطات رئيسية
في عام 1957 وقعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية حول استغلال الطاقة النووية لأغراض سلمية.وبعدها بعشر سنوات، قدمت الولايات المتحدة مفاعلا نوويا لمركز أبحاث في طهران، ووقود المفاعل على شكل يورانيوم مخصب إلى درجة 93 في المئة، وهي درجة تخصيب اليورانيوم نفسها المستخدمة في إنتاج الأسلحة النووية.
وفي عام 1968 وقعت إيران اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، وصادقت عليها بعد عامين، شريطة السماح لها بالاحتفاظ بالمفاعل واستخدامه لأغراض سلمية.
اطاحت الثورة الاسلامية عام 1979نظام حكم الشاه الذي فر إلى الخارج، وعاد آية الله الخميني من منفاه في فرنسا ليتولى منصب المرشد الأعلى للثورة، وبعدها بفترة قصيرة، اقتحم عشرات الطلاب السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا عشرات الديبلوماسيين والموظفين لمدة 444 يوما، مطالبين بتسليم الشاه لمحاكمته.
جراء ذلك قطعت الولايات المتحدة العلاقات الديبلوماسية مع إيران عام 1980، وحجزت الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة وقطعت العلاقات التجارية معها، وحظرت تصدير معظم السلع إليها.
وفي العام نفسه، فشلت محاولة إنقاذ الرهائن الأميركيين المحتجزين في طهران عندما اصطدمت مروحيتان أميركيتان ببعضهما بعضا أثناء عملية إنزال في صحراء لوط وقتل 8 جنود أميركيين في الحادث، وايراني واحد. أطلقت طهران سراح الرهائن عام 1981 بعد أيام من تسلم الرئيس رونالد ريغان مقاليد الأمور في الولايات المتحدة خلفا لجيمي كارتر، لكن في عام 1984 صنفت واشنطن إيران في خانة “الدول الراعية للارهاب”.
وفي عام 1986 انفجرت فضيحة”إيران كونترا” التي كان يتم في إطارها بيع أسلحة أميركية بطريقة غير مشروعة إلى إيران، وكانت الأموال الناتجة عنها تستخدم في تمويل الجماعات المسلحة المناهضة لحكومة نيكاراغوا التي كانت تعرف بـ”كونترا”، ثم في عام 1988، أسقطت بارجة أميركية طائرة ركاب إيرانية فوق مياه الخليج، وقُتل جميع ركابها البالغ عددهم 290 شخصاً.

إقرار
في تصريح ملفت غير مسبوق، أقرت وزيرة الخارجية الأميركية،وقتها، مادلين أولبرايت عام 2000 بدور بلادها في الانقلاب ضد مصدق، وقالت:” من السهل إدراك سبب استمرار كراهية أغلبية الإيرانيين لتدخل أميركا في شؤون بلادهم الداخلية”.
وفي عام 2002 أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن أن” العراق وإيران وكوريا الشمالية تشكل محور الشر”، واتهم إيران بامتلاك برنامج سري لإنتاج الأسلحة النووية، فيما أعلنت جماعة إيرانية معارضة مقيمة في الخارج أن إيران أقامت موقعين لهما علاقة ببرنامجها النووي لم تكشف عنهما وهما “ناتنز” و”آرك”.
وفي عام 2006 أعربت واشنطن عن استعدادها للانضمام إلى مباحثات متعددة الأطراف إذا وافقت طهران على وقف تخصيب اليورانيوم، وعام 2007 تحادث وزير خارجية إيران منوشهر متقي ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على هامش مؤتمر عقد في العاصمة المصرية القاهرة، وفي العام نفسه، أعلنت أجهزة المخابرات الأميركية، وبدرجة عالية من اليقين، أن إيران كانت تجري أبحاثا لإنتاج سلاح نووي حتى نهاية عام 2003، وهو العام الذي توقفت فيه عن المضي قدماً في هذا المجال.
عام 2008 أرسل الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، وللمرة الاولى، نائب وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز، للمشاركة بشكل مباشر في المحادثات التي كانت تجري في جنيف حول الملف النووي الإيراني.
عام 2009 وصل الرئيس الاميركي باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وأعلن استعداده لمد يده لإيران وفتح صفحة جديدة معها إذا بادلته الامر نفسه، و”أقنعت الغرب بأنها لا تسعى إلى بناء قنبلة نووية”، وفي العام ذاته، أعلنت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة أن إيران تبني سرا منشأة لتخصيب اليورانيوم في موقع قريب من مدينة قم، وردت ايران على ذلك بالإعلان أنها أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن المنشأة قبل أسبوع.
خلال الفترة ما بين 2009 و2012، توقفت تقريباً مفاوضات القوى الكبرى وإيران، ودخل حيز التطبيق عام 2012 قانون أميركي يمنح الرئيس أوباما سلطة فرض عقوبات على المصارف الأجنبية، بما في ذلك المصارف المركزية للدول الحليفة للولايات المتحدة، إذا لم تقلص مشترياتها من النفط الإيراني، وأدى ذلك إلى تراجع كبير في مبيعات النفط الايراني وترك ذلك أثراً بالغاً على اقتصادها.
وفي العام ذاته، عقد البلدان مباحثات سرية، وتكثفت المباحثات عام 2013 وتمحورت حول الملف النووي الإيراني، وفي عام 2013 انتخب حسن روحاني لرئاسة الجمهورية في إيران، الذي كان يعتبر معتدلاً وبراغماتياً، ورفع شعار تحسين العلاقات مع العالم الخارجي والاهتمام بالوضع الاقتصادي، ومن الطبيعي أنه لا يمكن تحقيق هذين الهدفين من دون رفع العقوبات المفروضة على بلاده بسبب ملفها النووي.
في سبتمبر من ذاك تحدث الرئيسان أوباما وروحاني عبر الهاتف في أول بادرة من نوعها منذ ثلاثة عقود، وفي 23 نوفمبر مهدت المحادثات السرية بين طهران وواشنطن الطريق أمام التوصل إلى اتفاقية موقتة بعنوان “خطة العمل المشترك”، وتعرف عالمياً بـ”الاتفاق النووي الإيراني”، وتنص في جوهرها على حد إيران من نشاطها النووي مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها.
في يوليو 2015 أعلنت مجموعة خمسة زائد واحد عن التوصل إلى”اتفاقية خطة العمل المشتركة الشاملة”، والتي وافقت بموجبها إيران على مجموعة من الخطوات، من بينها تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي ووقف العمل بالجزء الأساسي من مفاعل آرك، مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة بدرجة كبيرة، في يناير 2016 أطلقت إيران سراح عشرة بحارة أميركيين دخلوا المياه الاقليمية لإيران بعد 24 ساعة من احتجازهم، وبعدها بيومين أعلن البلدان التوصل لصفقة تبادل السجناء، وشملت أربعة أميركيين كانوا في السجون الإيرانية مقابل سبعة إيرانيين كانوا قيد المحاكمة في الولايات المتحدة.

حسن روحاني ودونالد ترامب… حرب تصريحات متبادلة
محمد مصدق يتلو بيانا في البرلمان الايراني (ارشيف)
شاه ايران محمد رضا بهلوي في اخر لقاء له مع الرئيس الاميركي جيمي كارتر (ارشيف)
You might also like