إبراهيم اليوسف: الأحلام “شيك” مفتوح برصيد لاينتهي يرى أن" الشعر أكثر من جسَّد الحرب في سورية... والمثقفون صُودِر دورُهم"

0 259

جسدت آلام الإيزيديين في رواية “شنكالنامه” ومعركة سنجار سبب تفكيري في هذه الرواية

القاهرة – أحمد الجدي:

لاقت رواية “شنكالنامه” للكاتب والشاعر السوري إبراهيم اليوسف صدى واسعاً، باعتبارها لامست جرحاً نازفاً، هو جرح الكرد الإيزيديين فيسنجار بعد غزو “داعش” لمناطقهم، وسبي آلاف النساء والأطفال، وقتل الرجال من شيوخ وشباب.في الرواية رصد المؤلف بطولات بعض السبايا وهن في الأسر، في وجوه من سبوهن، وفيها مشاهد أليمة جداً لبعض ما تعرضن له من معاملة وحشية، الأمر الذي جعل الرواية من الأعمال الأكثر مبيعا في مصر.
إبراهيم اليوسف في حوار خاص جدا لـ “السياسة” فإلى نص الحوار.

من انت؟
أثناء الحوارات التي تجري معي، من قبل الإعلام، أشعربحرج أمام سؤال كهذا: من أنت؟ إذ قد أكون أقل من يعرف ملامح تجربتي الكتابية، وذلك لأن ما أنجزته خلال عقود استطاع أن يعطي صورة عن نفسه لمتابع تجربتي، وهو رقم بياني محكوم بحركية محددة: صعوداً كما أرغب، وهبوطاً كما لا أريد. لكن هذا المشروع الكتابي يظل أسير هذين القطبين المتنافرين، وهنا يأتي دورالنقد الأدبي في تسليط أضوائه على تجربتي المتنوعة، ضمن إطاري السرد والشعرفي آن. إذ إنني، ومنذ وقت مبكر بدأت بالكتابة ضمن هذين المحورين، لتكون الكتابة هواء بالنسبة لي لتكون رسائل إلى المحيط، والعالم، وبدوت غيرمعني بالكثيرمما كتبت، لأن كثيراً مما نشر ورقياً أو إلكترونياً تعرض للضياع، وفي هذا مايعني أنني كنت أعول على النص. على المدونة. في إحداث فعلهما. أي أن الفعل هوما كنت أرومه، ومن هنا، فإنني لم أقدس ما كتبت، ولو أن هذا التقديس المقصود يقع ضمن حدود الذات، ولاأعني به ما هو خارجها.
عندما فتحت عيني على الحياة، كان يهمني أن أعطي. أن أنتج. أن أترك أثراً. كانت الكتابة لدي أهم من الاسم الذي انفصل عن النص في أكثرمن برهة، وفي هذا ما أستطيع التنظير له، من خلال خط سيرالتجربة ذاتها. لقد رسمت، وأولعت بالتخطيط، كما اشتغلت في المسرح: تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً. كانت هناك طاقات مكمونة في داخلي. طاقات تبحث عن متنفس لها، وسط تلك البيئة المليئة بشواخص منع المرور. منع الاقتراب. منع التفكير. منع الحديث، ولذلك فقد عنيت بمهمة أراها رفيعة وهي الذود عن إنسانية الإنسان. عن كرامته. عن حقه في الهواء والحرية والحياة.
ما أعرفه أنني امرؤ حالم. حالم وأنا في ذروة يأسي وألمي. لربما هذا الحلم جعلني أعيش. لربما هذا الحلم جعلني أتحمل كل خسارات حياتي، بل لربما هذا الحلم كان سبب خسائري. حياتي بهذا المعنى سلسلة متتالية من الأحلام. الأحلام التي هي”شيك” مفتوح، برصيد لاينتهي.
لماذا كتبت عن الإيزيديين، وأنت لست منهم؟
تعرضت لمثل هذا السؤال أكثر من مرة، لذلك فإنني أرغب بالتوضيح في هذا المجال، إذ إن كتابتي هذه عن الإيزيديين ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، فقد كتبت عنهم منذ ربع قرن، فقد أعددت عنهم مخطوطين، كما نشرت عددا من المقالات، بالإضافة إلى أكثرمن قصيدة، من بينها قصيدة “باتزمي” وكصحافي، وقفت معهم في أكثر من محنة. غزو شنكال هزني من أعماقي، لذلك فقد تناولته في مقالات نشرتها في الصحف العربية، وأبديت موقفي مما تم في أكثرمن حوار مرئي أو مقروء. كتبت عن الإيزيديين باعتبارهم جزءاً من الشعب الكردي، وأنهم معرضون للمحو بسبب كرديتهم، ومعتقدهم، وقد دفعوا لقاء ذلك ضريبة كبرى.
حدثنا عن روايتك الأخيرة، ولماذا قررت كتابتها؟ وما الذي جذبك في القضية الإيزيدية؟
الآن، يخيل إلي أن الرواية هي التي فرضت نفسها. الواقع المريرالذي عشناه بعد غزو سنجار، وسبي الحرائر الكرديات الإيزيديات كان وراء كتابة هذا العمل. لقد كنت في تلك الفترة أعمل في دولة الإمارات وأتابع الأخبار على نحو يومي، عبر كل وسائل الإعلام، بما في ذلك الاتصال اليومي مع المعنيين في إقليم كردســـــتان من مثقفين، وحتى بعض مسؤولي الخط الأول. خيل إلي، ولأول مرة في حيــــــــاتي أن أذهب إلى الإقليم، وأعمل مراسلاً حربياً، أغطي المعارك التي كان يقــودها “البيشمركة” ضد “داعش”.
اتصلت من أجل ذلك بالدكتور فؤاد حسين- مديرمكتب الرئيس مسعود بارزاني- عرضت فكرتي. ثمة أكثر من ذلك مما قمنا به، ناهيك بكتابتي عددا من المقالات. كتبت قصيدة بالعنوان نفسه “شنكالنامه” تمت قراءتها، على نطاق واسع، إلا أنني أدركت أن هذه القصيدة، رغم ملحميتها، ودراميتها، فإنها لا تستطيع أن تصل كخطاب جمالي إلى أكبر دائرة ممكنة من المتلقين، لذلك فقد أعدت وفي عمل سردي صياغة بعض تفاصيل يوميات الحدث الرهيب، لتكون صوت أولئك الحرائر وهن في أصعب مرحلة يمررن بها، لاسيما وإن من آل على نفسه أن يكون في موقع المسؤولية في هذا العالم، آثر لعب دور المتفرج، المحايد. دور من يترك الضحية بين يدي وحش، يتبع إشارات أصبعه على خريطة الطريق. طريق القاتل، وهو نفسه طريق نهايته كقتيل. ضمن لعبة لا تخفى على أحد.
أخذت هذه الرواية الكثيرمن الوقت، لاسيما في تدقيقاتها. إذ قال لي بعض أوائل من قرأوا مسودتها: عليك أن تنأى عن تلك المشاهد الأليمة، المستفزة، رغم أنني لم أكن سوى ناقل لها. ظلت الرواية مدة لا بأس بها، بعد الانتهاء من كتابتها، وتدقيقها، لدى إحدى دورالنشر، إلا أن عدم التزام الدار بأكثرمن موعد لنشرها دعاني لأنشرها لدى دار صديق لي، طالما تبنى طباعة أعمال لي.

المثقفون و”داعش”
كمثقف، كيف تنظر إلى “داعش”؟
لا فرق في تقويم المجرم، من قبل كل من يحمل ذرة ضمير، سواء أكان مثقفا، أو غيرمثقف. المرء يميز القاتل والضحية من خلال فطرته، فحسب، وإذا كان هناك من سيقول: إن المثقف يستطيع معرفة أسباب الظواهر، وأن غيرالمثقف قد ينخدع، فإن- في المقابل – ثمة مثقفا يقف مع القاتل، ويزور الوقائع، ويستمرئ دم الضحية. من هنا، فإنني وبحكم تربيتي الأولى. بحكم موقفي الإنساني الذي تنامى في أكثرمن محطة رؤيوية، بدءاً بالبيت، ومروراً بالمدرسة الفكرية التي أجدني منتمياً إليها، لطالما وقفت مع كل مظلوم، ضد ظالمه، بكل ما هو ممكن، ولعل في العودة إلى منجزي الكتاب ما يبين أنني لطالما اتخذت مواقفي من أعداء الإنسانية، سواء أكانوا حكاماً، أو أفراداً، على حد سواء.
هل سنرى أعمالاً تجسد الاضطهاد الذي يعانيه الايغور في الصين والبورميون في ميانمار؟
كما أكدت، أينما كانت هناك مظالم فإن على كل ذي ضميرأن يقف مع المظلوم ضد ظالميه، وهذه قاعدة عامة، لا استثناء فيها البتة. وإذا كنت ككاتب أركز على من هم قربي، وأتابع تفاصيل معاناتهم، فإن ذلك يأتي نتيجة لاطلاعي على تفاصيلها أكثرمن غيرها. لطالما تمنيت لوأن يعبر خطابي الجمالي أن أقف مع كل مظلوم في العالم. وثمة ما أريد أن أضيفه، فإن الكرد ليسوا أقلية، وإنما هم شعب مقسم بين خرائط دول عدة، كما أن هذه القضية تعرضت للكثير من الإهمال، حتى من لدن الأخوة، أخوة التاريخ، أخوة الدين الذين طالما كان الكرد أنفسهم سبباً في تعزيز حضورهم، ووضع حد أمام محوهم الجغرافي التاريخي، ليكونوا بذلك على مشرحة المحو والزوال، كما يحدث الآن.
يرى البعض أن مثقفي سورية قصروا في التعاطي مع الأحداث في بلدهم، فهل هذا صحيح؟
هناك تشتيت في صفوف المثقفين بسبب ما حدث في سورية لذلك أرى أن المثقف السوري الأصيل هو ذو الموقف والذي استطاع أن يلعب دوره، ويكون صوته مدوياً محلياً، وعربياً، وعالمياً، للدفاع عن بلده في هذه الحرب العالمية، وقد يرى بعض المثقفين مبالغة في وصف ما يحدث في سورية بالحرب العالمية إلا أنني مصرعلى ما أقول، لأن ماجرى ويجري في سورية، بل والمنطقة إنما هي حرب عالمية مصغرة، استمرت ثمانية أعوام، ومدتها تكاد تزيد عن مدتي الحربين العالميتين الأولى والثانية، وثمة أعمال كبيرة كتبت عن هذه الحرب ضد السوري،ضد ابن المنطقة، بما يتراوح بين التوثيقي المباشر، وغيرالمباشر، بما يجعل لذلك الكائن البروميثيوسي صوته المجلجل، عبر خطاب إبداعي، يعد المرجع الأكثر تأثيراً، في مدونة الثورة والحرب.

الحرب في سورية
هل سنرى عملاً يجسد الحرب في سورية؟
هناك عشرات الأعمال الأدبية في مجالات الرواية والشعر والقصة التي كتبها مبدعون سوريون واستطاعت أن تحافظ على مستوييها: الجمالي والرؤيوي، من دون المجازفة بأحدهما، وهوما يجعلني أتفاءل بأن يكون للسوريين شخصيتهم المميزة في الرواية، وقس على ذلك بالنسبة للمجالات الإبداعية الأخرى: القصة، الشعر، المسرح، المقال.
الحرب كانت هائلة. ما جرى كان زلزالاً مدوياً، ولذلك فقد تطلب إمكان تناوله في أعمال سردية لافتة مدة زمنية ما، ومن هنا فإننا لم نر الكثير من الأعمال في السنة الأولى من الثورة السورية، بل كان المقال هو المتسيد، إلا أننا لاحظنا الخط البياني للأعمال الروائية قد بدأ في العام2012، وإن كان بعضها قد دون أصلاً مع بدايات الثورة. أما الشعر، فقد كان الأكثر حضوراً، إلا أنه كتب بطريقة مختلفة عما كان يكتب عليه، في فترة ما قبل الحرب، وذلك لأن مفردات الحرب-لاسيما الدم- كانت حاضرة، على نحو غيرمعهود.
ما الدور الذي يجب أن يلعبه المثقف السوري في مواجهة الوضع الحالي لبلده؟
للأسف فإن المثقف السوري صودر دوره في الآونة الأخيرة، كما أن المثقف الذي دخل اللجة السياسية خسر كل أوراق حضوره، وجدواه، لهذا أرى أن دور المثقف السوري يجب أن يكون تنويريا بحيث يوثق الحاضر الأليم ويكتب للمستقبل كي يضيء عقول الشباب السوري حتى يبدأوا في بناء بلدهم من جديد.
رحل كثيرون من الكتاب العرب الكبار، من ترى سيحل مكانهم؟
دورة التاريخ متواصلة. هؤلاء الكتاب الكبار جاؤوا بعد جيل من الكتاب الذين سبقوهم، إلا أنهم أثبتوا حضور خطابهم الإبداعي. ثمة كتاب يحثون السير بخطى الكبار ذواتهم، محققين سمة المبدع الحقيقي: تجاوز الذات والصورة السابقة، في آن واحد، وهو ما يدعونا أن نفتح نوافذ الأمل بأن معين الإبداع لا ينضب.
كيف ستبنى سورية من جديد؟
ستبنى سورية الجديدة بعرق أبنائها بحيث يكون هذا البلد الجميل سورية لأبنائه السوريين جميعاً من دون تفرقة، وهذا في أفضل لحظات تفاؤل المتابع لدراما المشهد السوري الأليم.
ما جديدك؟
انتهيت من كتابة عمل روائي جديد، عن السوري في مغتربه، وصدمته بحضارة الآخر. بحضارة الأوربي. هوعمل عن الشرق والغرب، في صميمه، وكيف ينظر كل من الطرفين إلى الآخر؟ وهل يمكن أن يلتقيا؟. الأسئلة طرحت في القرن الماضي، مع أول الهجرات، المختلفة، وستثار الآن، بعد أن اتخذت الهجرة طابعاً آخر. بعد أن تحولت من مشروع فردي إلى مشروع عام.

You might also like