الإمارات… هكذا يُصنع التسامح

0 321

لأن السلام من أسماء الله الحسنى، ومَنْ أفشى السلام بين الناس فإنه عمل صالح يُجزى عليه، كان لا بد من تعبير حقيقي عن روح الإسلام السمح القائم على الإخاء بين الشركاء في الإنسانية، بعدما شوهت الحركات المتطرفة، الجوهر الحقيقي للأديان الإبراهيمية القائمة على التآخي بين البشر في سبيل صلاحهم وتقدمهم، وحفظهم من الشرور.
على هذا الأساس جاءت دعوة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد إلى البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم لزيارة دولة الإمارات لتكسر الحاجز النفسي في الحوار بين أبناء الديانات الإبراهيمية، فكان من أهم نتائجها وثيقة الأخوة الإنسانية، والأمر بتشييد بيت العائلة الإبراهيمية.
زيارة بابا الفاتيكان إلى شبه الجزيرة العربية، هي الأولى من نوعها لحبر أعظم يحل في هذه المنطقة القريبة من مبهط الرسالات الإبراهيمية كافة، وحيث صُوَّرت المنطقة لعقود على أنها ترفض التعايش بين شركاء الإنسانية، فكان اللقاء بين الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر، أكبر مؤسسة مرجعية إسلامية في العالم، والبابا فرنسيس، مناسبة للتأكيد مجدداً على أن ما تفسده السياسة يصلحه التسامح المعبر عن جوهر الإسلام الصحيح، والمسيحية الحقة القائمة على مبدأ “الله محبة”.
أطلقت حكومة دولة الإمارات على العام الحالي “عام التسامح”، وبالتالي كان لا يمكن التعبير عن هذا العنوان بغير أن تكون هناك قاعدة يبنى عليها الحوار المشترك في “مؤتمر الأخوة الإنسانية” الذي عقد في مسجد الشيخ زايد، وأن يخصص الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات، جائزة للأخوة الإنسانية، وأن يكون كل من البابا وشيخ الأزهر أول الممنوحة إليهما، في بادرة تعبر حقيقة عن مدى قوة السعي إلى جعل هذا العالم أقل عنفا وأكثر سلاماً بإزالة العراقيل من أمام مسيرة السلام بين البشر.
أتت هذه المبادرة الحضارية في وقت لا تزال هناك في المنطقة دول تؤوي وتدعم جماعات إرهابية، وتسعى إلى تفكيك المجتمعات في الإقليم من خلال إثارة الفتن والنعرات الطائفية عبر جماعات لا تعيش إلا على الإرهاب، مثل ما هي الحال مع الجماعات الموالية لايران أو”الاخوان” أو “داعش” و”القاعدة”.
في هذا اللقاء الحضاري الذي جمع أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، إضافة إلى معتنقي العقائد الدينية الأخرى في هذا العالم وضعت كلمة الشيخ أحمد الطيب أساسا لفهم أكثر واقعية لما يعيشه العالم من نزوات شر يمارسها اصحاب الفكر المنحرف، بتأكيده” أن الأديان الإلهيَّة، بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات المسلَّحة التي تُسمَّى حديثًا “الإرهاب”، كائنًا ما كان دينها أو عقيدتها أو فكرها، أو ضحاياها، أو الأرض التي تُمارِس عليها جرائمَها المنكرة، فهؤلاء قتلة وسفاكون للدِّماء، ومعتدون على الله ورسالاته”.
هذه البراءة من الإرهاب كانت عنواناً كبيراً للمجتمعين في أبوظبي حيث أكد البابا فرنسيس أن اللقاء التاريخي هذا إنما هو “ثمرة ننتظر أن تنضج مستقبلا” مزيداً من الحوار والتلاقي والتآلف بين البشر.
الزيارة التاريخية لرئيس الكنيسة الكاثوليكية إلى دولة الإمارات، وإقامة أكبر قداس في ستاد مدينة زايد الرياضية (حضره 180 ألف شخص) كانت القول الفصل في أن كل ما أنتجته ماكينة التطرف في العقود الماضية، وبنت عليه سلسلة من الأحقاد ترجمت جرائم ضد أتباع الديانات الأخرى، إنما هو زبد يذهب جفاء بهذا اللقاء الإنساني، فقول الحق عز وجل واضح:”فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، وما ينفع الناس اليوم هو أن يعودوا إلى السلام الذي هو أحد أسماء الله الحسنى.
ما سجَّلته الإمارات في هذا الحدث سيبقى للأجيال القادمة كتعبير عن معنى صناعة التسامح بالفعل وليس القول، وكيف يمكن أن تجتمع الإنسانية في بيت العائلة الإبراهيمية إذا يسر لها قادة، من خامة محمد بن زايد ومحمد بن راشد، يسعون إلى المستقبل القائم على التآخي، لأن أي مسار آخر فيه دمار لكل ما أنتجته الإنسانية من حضارة، لذلك نعيد ترديد ما قاله السيد المسيح (عليه السلام): “طوبى لصانعي السلام”.

أحمد الجارالله

You might also like