الإنجيليون يرون بترامب قورش العصر الحديث وسيحقق نبوءاتهم يؤمنون بحرفية الكتاب المقدّس ويعتبرونه مرسلاً من الله... يعطونه بركتهم

0 136

تحلّق مبشرون إنجيليون معروفون حول دونالد ترامب في إحدى أكبر كنائس ميامي، متضرعين إلى الله ان يسانده، مجددين إيمانهم بدوره، كقائد سياسي، في تحقيق نبوءات الكتاب المقدس.
فيما في الحقيقة لا يمثل ترامب شخصية تتمتع بالقيم الأخلاقية أو الدينية التي يدافع عنها المسيحيون المحافظون، فهو رجل مطلق، وارتبط اسمه بفضائح مع ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيالز، ورغم أنّه”خاطئ”، فإنه يحظى بدعم كبير من الإنجيليين.
تصرخ القسيسة باولا وايت، المستشارة الروحية الخاصة بالرئيس الأميركي، في إحدى عظاتها المتلفزة”حين تقول لا للرئيس ترامب، كأنك تقول لا للرب”، فقد عيّنت الواعظة الشهيرة قبل شهرين على رأس”مبادرة البيت الأبيض للإيمان والفرص”، وهي واحدة من أثرى وأبرز وجوه التبشير التلفزيوني الإنجيلي في الولايات المتحدة.
كانت باولا وايت أوّل امرأة في التاريخ تتلو الصلاة خلال مراسم تنصيب رئيس أميركي عند أداء ترامب اليمين في عام 2017، في إحدى عظاتها المنتشرة على الانترنت، تقول: حين أطأ أرض البيت الأبيض، لديّ كامل الحقّ والسلطة لأعلن البيت الأبيض أرضاً مقدسة، لأنّني كنت أقف هناك، وكلّ مكان أقف فيه هو مكان مقدّس”.
وضعت باولا وايت يدها بورع على ذراع ترامب، وسط كنيسة “الملك يسوع الدولية” حيث تجمع أكثر من سبعة آلاف مسيحي انجيلي من ولاية ميامي. تلت الصلاة مع قساوسة آخرين، يعدّون من أبرز المبشرين المحافظين في البلاد، ومن قادة تجمّع”إنجيليون من أجل ترامب”.
على جانب الرئيس الأيسر، وقف المغني الأميركي من أصل افريقي مايكل تايت، الذي عرف في تسعينات القرن الماضي بإحياء سوق الموسيقى الدينية، وكان من أبرز من رسّخوا فكرة”اضطهاد” الثقافة الأميركية السائدة لمعتقدات المسيحيين الانجيليين، وضرورة الإخلاص لله مهما كان الثمن.
وبينما رفع القادة الدينيون أكفهم نحو ترامب، تلا الواعظ من أصل هندوراسي غييرمو مالدونادو الصلاة مستنجداً بالروح القدس. مالدونادو هو مؤسس كنيسة”الملك يسوع” التي يؤمها مصلّون من أصول لاتينية في الغالب، وابتهل مالدونادو في صلاته لله أن يجعل من ترامب قورش هذا العصر، ويسانده في تحدي إصلاح أميركا.
سكرى بالروح القدس
يمكن أن تبدو الصلاة عبر وضع الأيدي قرب الجسد طقساً غريباً بالنسبة للمسيحيين من أتباع الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، أو لأتباع الأديان الأخرى، وبخاصةً أنّها تعطي انطباعاً لغير المتآلف مع الثقافة الانجيلية، بأنّ القساوسة يرفعون الصلاة لترامب نفسه. هذا انطباع خاطئ، وفق ما يشرح الكاتب الأميركي ماكس بلومنثال في حديث لـ”بي بي سي”، الذي يخبرنا إنّ وضع الأيدي تقليد متبع لدى الكنيسة الخمسينية الكاريزماتية.
يقول ماكس بلومنثال:”يمارس طقس وضع الأيدي كنوع من الصلاة، لتمرير روح الله إلى المريض كي يشفى، أو إلى القائد لتشجيعه على الايمان. يعتقد متبعو هذا التقليد أنّهم يسكرون بالروح القدس، ليصلوا إلى تلك النقطة التي تبدو للمتفرجين كنوع من التطرف أو الجنون”.
اضاف:” باولا وايت هي واعظة من الكنيسة الخمسينية تؤمن بما يسمّى”إنجيل الرخاء”، وهو أحد أبرز المفاهيم الدينية الشائعة في أوساط الانجيليين حاليا، فإلى جانب الشفاء بالإيمان، يعلّمون أتباعهم أنهم إن زرعوا بذرة في الجنة ستتحول استثمارا يتكاثر ويمنحهم الثراء على الأرض. هكذا، سيكون عليك أنت كمؤمن مثلاً، أن تعطي باولا وايت أموالك، لأنها تتمتع بمواهب عظمى، وهي ستديرها لك، لتنعم بالرخاء. هذا ما يجعلها واحدة من أثرى الواعظين، إلى جانب كنيث كوبلاند الذي يمتلك جزيرة وطائرة خاصة. التحقيقات حول ثرواتهم أو التلاعب بأموال المتبرعين، لم تفضِ إلى نتائج ملموسة، مع العلم أنّهم كقادة كنائس، معفون من الضرائب”. وقال:” يعدّ المربي وعالم النفس جيمس دابسون من أبرز الشخصيات الانجيلية الداعمة لترامب، ويدير مؤسسة “ركّز على العائلة” غير الربحية، وهو صاحب أفكار حول إيجابيات العنف في التربية. مركز مؤسسته في مدينة كولورادو سبرينغز التي تعدّ فاتيكان الغرب الأميركي، ونواة للقوّة الانجيلية، ففي المدينة ذاتها تتواجد أكاديمية سلاح الجو الأميركي، ومن المعروف أنّ سلاح الجو الأميركي هو أكثر قطاع في الجيش يضمّ إنجيليين يمينيين. هناك أيضاً الواعظ فرانكلن غراهام، ابن بيلي غراهام المستشار الروحي للعديد من رؤساء الولايات المتحدة. وبعكس أرث أبيه المنفتح والمناهض للعنصرية، يتخذ غراهام الابن مواقف كارهة للإسلام إذ يعتبره ديناً شيطانياً، ويعدّ من المسيحيين الصهيونيين الذين يؤمنون أنّ القدس يجب أن تكون تحت حكم إسرائيل، لتحقيق نبوءات يعتقدون أنّها تمهّد لعودة المسيح”.
بعيداً عن النبوءات المقدسة ” يسعى قادة بعض الطوائف الانجيلية الداعمة لترامب، إلى توسيع نفوذهم، وبخاصة في المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية لان كل القرارات المهمة تتخذ هناك، خصوصاً القرارات حول الإجهاض وحول حقوق المثليين، وقرارات أخرى تمنح الإنجيليين الحقّ بالتمييز في الأماكن العامة ضد غير المسيحيين”.
الكنيسة الإنجيلية تقر رسميا خططا لتنصيب أساقفة نساء
قال الباحث والمحلل السياسي اللبناني حليم شبيعة: “في المنطقة العربية تطلق تسمية إنجيليين على كلّ الكنائس البروتستانتية، ومن الضروري التمييز بين الانجيليين في لبنان وسورية مثلاً، والانجيليين في كنائس الولايات المتحدة الذين يتبعون لاهوتاً خاصاً” Evangelicalism” يرتكز على الإيمان بأنّ الله يتدخل في التاريخ من خلال حكام الأرض”.
الألماني الذي “غيّر وجه المسيحية” في أفريقيا اوضح حليم شبيعة أنّ نظام تشكيل الكنائس الانجيلية يسهّل على قادتها اتخاذ مواقف سياسية حادة، “عند الكاثوليك والأرثوذكس تتبع الكنيسة بمجملها عقيدة واحدة، وسلطة كنسية عليا واحدة. لدى البروتستانت، هناك كنائس عدة، ولا سلطة واحدة. في بريطانيا مثلاً، الكنائس الأنغليكانية قريبة من الكاثوليك، لديهم سلطة أحادية، ولهم طرق لانتخاب قادتهم، وتمتاز تعاليمهم بشيء من اللين مقارنة مع الانجيليين في الولايات المتحدة الذين يؤمنون بالكتاب المقدّس بطريقة حرفية إلى حدّ ما. هكذا، يعتبرون ترامب مرسلاً من الله، يعطونه بركتهم، وذلك موقف صعب أن يتخذه بابا روما مثلاً، لأنّه يمثّل كلّ الكاثوليك في العالم، ولا يمكنه أن يقدّم دعماً سياسياً بهذا الحجم”.
خلال انتخابات عام 2016 الرئاسية حقّق ترامب معدّل قبول وصل إلى 80 في المئة بين المسيحيين الإنجيليين البيض، فيما حقّق معدّل قبول أقلّ وسط الإنجيليين من أصول لاتينية أو افريقية، لكنّ مجلّة “كريشتيانيتي توداي” ذات التأثير الكبير وسط المسيحيين الانجيليين، أعلنت في افتتاحية مؤخراًً، دعمها لإجراءات عزله، ما عكس شرخاً في صفوف أتباع هذه الكنيسة، وبخاصةً بين الأجيال المختلفة. يمثّل الناخبون الإنجيليون 15 في المئة فقط من عموم الناخبين الأميركيين، مقارنة بالكنائس البروتستانتية الأخرى، وتمثّل الغالبية المسيحية في البلاد، والكاثوليك، وغير الدنيين، واليهود.
قال شبيعة:” يصوّر ترامب نفسه كحامٍ للمسيحيين في أميركا، وكنموذج معاكس لأوباما الليبرالي، وقد شدّد على ذلك منذ انتخابه عام 2016، حين وعد بأن يعيد للمسيحيين قدرتهم على توجيه معايدة”ميلاد مجيد”، ومن المعروف أن نائبه مايك بنس متشدّد دينياً، واتخذ مواقف واضحة ضدّ حقوق المثليين، وضدّ مشاريع تنظيم الانجاب، ويبدو جاهزاً للذهاب أشواطاً بعيدة لمراعاة اليمين المسيحي المُستفَزّ من إرث أوباما والخائف دوماً من تهديد ثقافة الولايات المتحدة اليهودية – المسيحية، كما يرونها”.
“الأكثرية الأخلاقية”
تأثير المسيحيين المحافظين على السياسة الأميركية ليس مستجداً، بل تعاظم بشكل تدريجي خلال السنوات الخمسين الأخيرة، وفقا لأستاذة اللاهوت الأخلاقي في جامعة “تكساس سان أنطونيو” ميل ويب اذ قالت الى “بي بي سي” إنّ:” القسيس جيري فالويل وضع البذرة الأولى لتأثير اليمين المسيحي المتديّن في السياسة الأميركية، من خلال إنشاء مؤسسة باسم”الأكثرية الأخلاقية” هدفها إرساء القيم المسيحية بواسطة السبل القضائية والسياسية في أواخر سبعينات القرن الماضي”.

فيلم “الباباوان”: تانغو في أروقة الفاتيكان
وتقول ميل ويب: “ركزت المؤسسة في حينه على تجريم الإجهاض، وإدراج الصلاة المسيحية في المدارس الحكومية، والحدّ من الطلاق. وغالباً ما ينسب لتلك المؤسسة الفضل في فوز رونالد ريغن على جيمي كارتر عام 1980. صحيح أنّها توقفت عن العمل عام 1989 بعد سلسلة فضائح، لكن مؤسسها صرّح في حينه أنّها حققت مهمتها وهي تدريب، وحشد، وضخّ الطاقة في اليمين المتديّن. من أبرز الداعمين لترامب اليوم جيري فالويل جونيور، رئيس جامعة “ليبرتي” في لينشبرغ (فرجينيا)، وهو مؤثر جداً في الأوساط المسيحية المحافظة، وقد دعي الرئيس ترامب للحديث أمام طلاب تلك الجامعة مراراً. قيادة اليمين الديني رأت في ترشيح ترامب للرئاسة، ثمرة لجهودها على مرّ العقود، لا سيما مع شرعية نائبه مايك بنس في تلك الأوساط”.
وحول تردد ذكر شخصية الملك قورش (كورش) في صلوات القساوسة الداعمين لترامب، توضح أستاذة اللاهوت في جامعة تكساس سانت أنطونيو”يعود ذكر قورش الكبير ملك فارس إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويكتب عنه في التوراة كمحرّر لليهود من ظلم ملك بابل نبوخذ نصر، إذ أمر قورش بإعادة بناء هيكل أورشليم، وأعاد اليهود من منفاهم. ورغم أنّ قورش لم يكن يهودياً الا انه كان مهماً لتنفيذ خطة الله، كما ورد في سفر أشعيا”أنا قد أنهضته بالنّصر، وكلّ طرقه أسهّل. هو يبني مدينتي ويطلق سبيي، لا بثمنٍ ولا بهديّةٍ، قال ربّ الجنود”. ويرى المسيحيون المحافظون”أن ترامب يؤدي الدور ذاته”.
يقول حليم شبيعة: “لا مشكلة عند الإنجيليين بالإيمان أنّ الله يعطي ترامب البركة، لينفذ مشيئته، بغض النظر اذا كان شخصاً خاطئاً، يرتكب أفعالاً منافية للدين المسيحي. برأيهم، يمكن لترامب أن يحقّق ما يتطلعون إليه، حتى وإن لم يكن مؤمناً مثلهم. فأمام عظمة عطايا الله، خطايا ترامب غير مهمّة”.
تعاظم شعور اليمين المسيحي الأميركي خلال العقدين الماضيين بالغبن، وفقا لميل ويب:” إذ أنّهم يفسرون أي نوع من المعارضة لمبادئهم، كنوع من الاضطهاد، وبخاصة مع إقرار قوانين يرونها غير عادلة وتسمح بالشرور، مثل قوننة الإجهاض”.
من بين معتقداتهم الأساسية التي شكلت أولوية في مخططات ترامب، كما تقول ويب:” الدعم المطلق لإسرائيل كأرض للشعب اليهودي، لأن تحقّق نبوءة إعادة بناء أورشليم ضرورية لعودة المسيح. لذلك يعدّ دعم إسرائيل، ورفض الإجهاض وزواج المثليين اختباراً سياسياً أساسياً للمرشحين الراغبين باستمالة أصوات المسيحيين المحافظين”.

You might also like