الحضانة بين الحق والمأساة

0 135

حمادة الأمير

تعتبر الحضانة من أهم وأخطر الحقوق المترتبة على الانفصال بين الزوجين، لا سيما أن الأطفال أول ضحاياها، فهم يتعرضون لمأساة حقيقية بعد الانفصال، وسط دوامة لا تنتهي من الصراع والتناحر الأسري الذي يصل حد الانتقام والتشفي، متخذين الأطفال وسيلة لتحقيق مآرب لهم لا صلة لها بمصلحتهم، ليدفع الأطفال ثمن تلك التصرفات، وهذا الشقاق من براءتهم، مع حرمانهم من العيش في كنف أسرة مكتملة مستقرة آمنة على غرار أمثالهم، مما قد يُساهم ذلك في دخولهم إلى نفق مظلم من عالم الانطوائية والصمت والشعور بالنقص وربما الدمار النفسي والسلوكي والتخلف الدراسي، ومن المؤسف أن الأمر تطور عن هذا الحد، حيث وصل لخطف الأطفال وترويعهم بدافع حرمان الطرف الآخر منهم نكاية في بعضهم البعض، وهنا نقول بأن خسارة الطفل ليست مجرد منزل يضم أبوين كما يظن البعض، بل يخسر الانتماء والأمان والتنشئة السليمة ليكون البعض عُرضه لإتباع السلوك الإنحرافي بعد تهادم بنيان الأسرة الذي هو اللبنة الأساسية في التكوين الاجتماعي.
وللحضانة أهمية كبرى في رعاية الطفل وحماية كيان الأسرة، والأصل في أحكامها الرعاية الأصلح للمحضون، وعليه فكل أمر يعود بالفساد على المحضون في دينه وعرضه وبدنه ونفسه وغير ذلك ينبغي أن يُمنع، لأنه مُخالف لمقاصد الشريعة عامة ولمقصد أحكام الحضانة خاصة، والحضانة مقدمة للنساء على الرجال لأنهن أشفق وأرفق وأجدر في تربية وصون الصغير في مقتبل عمره، سواء حال قيام الزوجية، أو بعد انفصامها فإن الأم مقدمة على كل من عداها في استحقاق حضانة صغيرها؛ لما فيه مصلحته الفضلى مادامت مستوفية للشروط الواجب توافرها للصلاحية للحضانة.
والحضانة لغة تربية الصغير ورعايته، فهي مشتقة من الحضْن، وهو الجنب؛ لأن المربي والكافل يضم الطفل إلى جنبه ويرعاه، أما شرعاً تعني تربية الصغير ورعايته والقيام بجميع شؤونه التي بها صلاح أمره، ووقايته عما يؤذيه وتدبير طعامه وملبسه ونومه ونظافته، والقيام بجميع حاجاته ومتطلباته.
نظم المشرع الكويتي أحكام الحضانة في المواد من 189 حتى 199 في القانون رقم 51 لسنة 1984 وتعديلاته في شأن الأحوال الشخصية، وحق الحضانة وفقا للترتيب الآتي إجباراً فهي أولاً؛ للأم، ثم لأمها وإن علت، ثم للخالة، ثم خالة الأم، ثم عمة الأم، ثم الجدة لأب، ثم الأب، ثم الأخت، ثم العمة، ثم عمة الأب، ثم خالة الأب، ثم بنت الأخ، ثم بنت الأخت، بتقديم الشقيق، ثم لأم، ثم لأب في الجميع، وإذا لم يوجد مستحق للحضانة من هؤلاء، انتقل الحق في الحضانة إلى الوصي المختار، ثم الأخ، ثم الجد العاصب، ثم الجد الرحمي، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابنه، بتقديم الشقيق، ثم لأم، ثم لأب، متى أمكن ذلك، وإذا تساوى المستحقون للحضانة وكانوا في درجة واحدة، اختار القاضي الأصلح منهم للمحضون ما دام أقام اختياره على أسباب سائغة بغير مخالفة للقانون.
ويُشترط في مستحق الحضانة أن يكون أهلاً لذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً، وأميناً على حفظ دين ومال ونفس المحضون، فلا حضانة للمجنون والصغير والفاسق كمن اشتهر بشرب الخمر، أو السرقة أو الزنا أو السمعة السيئة ونحو ذلك، ويُشترط في الحاضن أيضاً القدرة على تربية المحضون، وصيانته صحياً وخُلقياً، ويشترط في الرجل الحاضن أن يكون محرما للأنثى، وعنده من يصلح للحضانة من النساء، وعليه لا يكون للرجل الحق في حضانة ابنة عمه لعدم المحرمة بينهما، وإعطاؤه هذا الحق قد يؤدي إلى الفساد والفتنة، فدرءاً لهذا لا يثبت له حق الحضانة.
وتسقط الحضانة إذا امتنع عنها من له الحق فيها، أو أن يكون غير مؤهل لها، وكذلك إذا تزوجت الحاضنة بغير محرم للمحضون، ودخل بها الزوج، وفي حالة سكوت من له الحق في الحضانة مدة سنة -بلا عذر- بعد علمه بالدخول، يسقط حقه في الحضانة، ولا يقبل ادعاؤه عدم علمه بأن زواجها بغير محرم مسقط لحقه في الحضانة، لأن مثل ذلك مما لا يجهله أحد، وفي حالة سقوط الحضانة عن شخص تنتقل إلى من بعده، ووفقاً للمادة 193 لا يسقط حق الحضانة بالإسقاط، وإنما يمتنع بموانعه، ويعود بزوالها، أي أن إذا زال الأمر المانع من الحضانة عادت إلى مُستحقها.
وتنتهي حضانة النساء للغلام بالبلوغ، وللأنثى بزواجها، ودخول الزوج بها، ويمتنع على الحاضنة السفر بالمحضون إلى دولة أخرى للإقامة إلا بإذن وليه، أو وصية، كما أنه ليس للولي أبا كان أو غيره أن يُسافر بالمحضون سفر إقامة في مدة حضانته إلا بإذن حاضنته، وتستحق الحاضنة نفقة المحضون، ومنها أجرة سكناه ممن تلزمه نفقته، ولا تستحق الحاضنة أجرة مسكن للمحضون إذا كانت تملك مسكناً تقيم فيه، أو مخصصا لسكناها، وإذا كانت زوجة للأب، أو معتدة تستحق في عدتها نفقة منه، أو في أثناء مدة المتعة المحكوم بها للحاضنة على والد الصغير، كما تجب للحاضنة أجرة حضانة حتى يبلغ الصغير سبع سنين، والصغيرة تسعاً، وتستحق الحاضنة غير المسلمة حضانة الولد المسلم، حتى يعقل الأديان، أو يخشى عليه أن يألف غير الإسلام، وإن لم يعقل الأديان، ولا يجوز في جميع الأحوال إبقاء المحضون عندها بعد سن السابعة.
ووفقاً للمادة 196 حق الرؤية للأبوين وللأجداد فقط، وليس للحاضن منعهم من رؤية المحضون، فإن منعوا يُعين القاضي موعداً دورياً، ومكانا مناسباً للرؤية، كما أن وجود الصغير بيد حاضنته لحفظه وتربيته لا يغل يد والده، ولا يحد من ولايته الشرعية عليه، وذلك بمراعاة أحواله وتدبير أموره.
في نهاية الأمر، نصيحتي لمن حول الزوجين عند وقوع شقاق بينهما استفحل أمره، لا تسعوا بينهما إلا معروفا بالعدل والإحسان، وكونوا للحق عضداً وللمروءة نصيراً، وكفى هدماً للبيوت، وتعميقا للنزاع والجراح، وتمزيق أوصال المودة والرحمة بين الناس.
ونصيحتي للأبوين أن يهيئا للصغير من أمره خيراً ورشداً، ولا يتخذا منه وسيلة ليكيد بعضهما لبعض ظهيرا، متخذين من هوى النفس عندا ونفيرا فتتحول حياة الصغير في ظلها عوجاً وأمتاً، ولا تستغلوا صغاركم في صفقة الطلاق كوسيلة ضغط، أو مساومة، ولا تلعبا بعواطفهم من أجل تحقيق مصالحكما الخاصة على حسابهم، بل يجب النظر لمصلحتهم والتضحية من أجل مستقبلهم حتى لا يستجيروا من بأسكم ونار الحيرة تعصف بنفوسهم، ولن يكون أمامهم ملاذ إلا الانجرار لحياة وصحبة السوء والدمار.

محام مصري ـ ماجستير في القانون

You might also like