الحكومة اللبنانية… “قشعونا وما قشعناهم”

0 360

أحمد عبد العزيز الجارالله

بمناسبة تشكيل الحكومة اللبنانية التي طالت ولادتها، رغم أنها لم تأت بجديد لجهة التمثيل السياسي، تحضرني طرفة يرويها أحد الأصدقاء اللبنانيين عن حادثة وقعت في القرن التاسع عشر حين كان الصراع المسلح بين سكان جبل لبنان على أشده، وما عرف لاحقا بـ “حرب الكلة” (التيلة باللهجة الكويتية).
يقول: “هجمت مجموعة من المسلحين على أحد مراكز المدافعين عن قرية جبلية، واستولت عليه، وهرب أحدهم، ولما سئل عن سبب عدم التصدي للمهاجمين، قال: “ما قشعناهم، لأنهم هجموا بالليل”، فقيل له: أيضا كرروا الهجوم بالنهار؟ فقال: “هم قشعونا”!
والقصد التبرير غير المنطقي لعدم القدرة على التصدي للمهاجمين، وهذا ينطبق على الحكومة اللبنانية التي تعلن أنها ستحارب الإرهاب، وهي تضم وزراء لجماعة مدرجة على قائمة الإرهاب دوليا وعربيا، وتتغاضى عن نظام مالي خارج النظام المالي للدولة والعالم، أي حركة أموال “حزب الله” وتهريبه المخدرات وغسل الأموال.
لدى الحزب جيش مسلح، ويحتكر قرار الحرب والسلم، وفي المقابل تسعى الحكومات اللبنانية منذ عام 2000 إلى تعزيز دور الجيش اللبناني الممنوع عليه أن يتصدى لسلطة الأمر الواقع التي يمارسها الحزب في مناطق سيطرته، وإذا طرح المجتمع الدولي هذه القضايا على بساط البحث مع المسؤولين كان جوابهم: “ما قشعناهم” ( لم نرهم)، وإذا حوصروا قالوا: “هم قشعونا”، بمعنى سبقونا.
في الحكومة الجديدة، جدد “حزب الله” إمساكه بقرار الدولة من خلال ما يسمى لبنانيا “الثلث المعطل”، وهو من البدع السياسية التي لم يسبق لدولة في العالم ان شهدتها، لكن هذه المرة عبر حليفيه “التيار الوطني الحر” ورئيس الجمهورية، فيما تنكر بقية الطبقة السياسية ذلك، وتعلل الأمر بالحصص وفقا للتمثيل النيابي الذي انتهت إليه الانتخابات الأخيرة.
هذا الأمر ينطبق أيضا على التخرصات التي يبتدعها حسن نصرالله في كل إطلالة تلفزيونية، سواء أكان لجهة الوضع الداخلي، وتنصله من التحكم بقرار الدولة، على مبدأ “قشعونا وما قشعناهم”. أو في ما يتعلق بتهديداته لإسرائيل والسعي الدائم لتوريط لبنان في حرب بالوكالة عن ايران.
وبين الحين والآخر يخرج علينا قادة نظام الملالي في طهران بشعارات تحت عنوان تحرير فلسطين، والصلاة في بيت المقدس، بينما منذ أربعين عاما، حين أعلن الخميني في أولى خطبه بطهران شعاره الشهير عن فلسطين، لم تخض ايران حربا مباشرة مع إسرائيل، وتتراشقان بالتهديدات من خلف البحار، فيما الأولى تدفع الأموال لميليشيا نصرالله، و “حماس” في غزة لتحاربا نيابة عنها، أو بالأحرى تستدرجان العدوان على لبنان وغزة تلبية لرغباتها، ولتصوير خامنئي كأنه صلاح الدين الذي يسعى إلى تحرير بيت المقدس.
هذه الصورة الهزلية التي يعيش اللبنانيون في إطارها منذ توقف الحرب الأهلية في عام 1992 هي التي جعلت لبنان دولة منبوذة من المجتمع الدولي، ومع الحكومة الأخيرة التي هي حكومة إيرانية، بكل ما للكلمة من معنى، فإن النبذ الدولي للبنان سيتسع، فلا مساعدات لعلاج أزمته الاقتصادية الخانقة، إضافة إلى الانكفاء الخليجي عنه، رسميا وشعبيا، طالما أن سياسة “قشعونا وما قعشناهم” هي التي تتحكم بالقرار اللبناني.

You might also like