الصحة والعدالة الاجتماعية

0 141

الشيخة حصة الحمود السالم الحمود الصباح

يقول الله تعالى في محكم التنزيل “التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ “، يذكر الله جل وعلا هنا صفات المؤمنين المُبشَّرين بخيري الدنيا والآخرة، وختم هذه الصفات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث أن سنن الله اقتضت أن أي مجتمع لن يستقيم إلا بهذا المنهج الرباني.
عندما نتحدث عن”الفساد” فلتسمح لنا الحكومة والمجلس بأن ننتقد بشدة وبصدق هذا التراجع المخيف في مراتب الشفافية والنزاهة وفق تقارير المنظمات العالمية للشفافية ومكافحة الفساد في السنوات الاخيرة ، ولتتسع صدورهم للنقد والتنديد والاستنكار، لأنه عندما نتحدث عن الوطن فلتقولوا خيراً أو ترحلوا.
والحقيقة أن هذا المقال لن يتسع لسرد قضايا الفساد والتجاوزات والإهمال الجسيم التي نطالعها يومياً على وسائل الإعلام المختلفة، ولكننا سنذكر نزرا يسيرا لتنوع الفساد الذي ضرب مفاصل الوزارات والهيئات ومجلس الأمة من تقصير في العمل، وفساد مالي ومحسوبيات، وغياب شبه كامل للرقابة والعقاب والتشريع الدقيق، على سبيل المثال وليس الحصر فساد المناقصات العامة، والمتورط فيها بعض أعضاء مجلس الأمة وبعض المسؤولين في غياب إقرارات الذمة المالية، وهو فساد يحتاج لمقالات، ويدل على أن من أمن العقوبة أساء الأدب.
كذلك، طفل يموت دهساً صباح يوم الاثنين 4 نوفمبر أمام مدرسته في غياب لوسائل الأمان لأطفالنا، وشاب يموت دهساً وهو عائد لبيته من صلاة الفجر في اليوم نفسه في حلقات من سلسلة نزيف الدم الذي لا يتوقف، نتيجة الإهمال الذي يحصد أرواحا بريئة تفيق كل صباح على صوت المؤذن، وهو يقول حي على الصلاة حي على الفلاح، منهم الجنود حراس حدود الوطن، ومنهم التلاميذ رجال المستقبل، ومنهم الساعون للقمة العيش، لا يعلمون أنهم سيقضون نحبهم في مضمار الشوارع السيئة، والمرعبة نتيجة سوء التخطيط والعشوائية في إنشاء وصيانة شبكات الطرق، التي تودي بحياة الكثير من أبناء الوطن، حسبهم الله وهو أرحم الراحمين، وانتقم لهم ولكل الشهداء .
وفي ملف الصحة نجد ترديا للخدمات الصحية، حيث قلة المستشفيات، وما يتبعها من طوابير الانتظار وقلة الكوادر البشرية، وهدم أجزاء من بعض المستشفيات، لإدخال بعض الأجهزة الطبية كبيرة الحجم كأجهزة الأشعة، وذلك نتيجة سوء التخطيط، وعدم التنسيق، وغياب الرقابة، وهدر المال العام، وتعيين أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة وفق سياسة المصالح المتبادلة، وبالتالي عدم محاسبة الكثير من الوزراء والمسؤولين والنواب، بعد تركهم مواقع المسؤولية لمصلحة من ؟ وهل الربع والشللية أهم من مقدرات الوطن ومستقبلنا ومستقبل أبنائنا ؟
لقد خسر الوطن ولا يزال يخسر الكثير من الفرص الثمينة، بسبب التقاعس في محاربة الفساد، وغياب العدالة الاجتماعية، حتى ضاع الانتماء الحقيقي للوطن على حساب الانتماء للعشيرة والأقارب، والحقيقة أن هؤلاء الذين هم من أبناء جلدتنا الذين يبغونها عوجا لن يستقيموا، إلا بمقولة عثمان بن عفان رضي الله عنه “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وإن كان الضمير يحتضر، فوجب علينا أن نحييه بسيف القانون والمواجهة الصريحة.
تحية تقدير للنائب السابق في مجلس الأمة صالح الملا على مواقفه المشرفة في حق هذا الوطن ودعوته السلمية للوقوف لمدة ساعة في ساحة الإرادة احتجاجاً على تفشي الفساد، وهي فرصة للتعبير السلمي، الراقي عن رفض تردي الوضع، ووقف نزيف الفرص الضائعة، ورسالة قوية للحكومة ومجلس الأمة، أن الوطن ومقدراته ملك لنا جميعاً، وليس حكراً لفئة محددة تفعل ما يروق لها ، فالدستور والاتفاقيات الدولية كفلت حقوق حرية الرأي والتعبير، ومناهضة الفساد في إطار قانوني وسلمي ، وكذلك ديننا الإسلامي الحنيف شرع لنا مواجهة الظلم بالجهر بالقول، مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)،
وأن الدعاء يكون على الظالم في مواطن ظلمه من دون تجاوز أو تعميم .
وأخيراً أرجو من الإخوة المحتجين التزام السلمية، بما يليق برقي وأخلاق هذا الشعب العظيم في وطن الإنسانية، وأن لا يعطوا الفرصة للمتسلقين المندسين بأن يعكروا صفو هذا السلوك النبيل، وأن تكون رسالة للعالم تعبر عن وعي وإدراك الشعب الكويتي باستحقاقاته في حياة عادلة وكريمة.

كاتبة كويتية

You might also like