“العفر” تصدَّوا للأحباش وأسسوا مملكتهم شرق أفريقيا الإسلام ينير القارة السمراء

0 202

إعداد – إسلام مصطفى:

يحفل التاريخ العربي بالنوادر، التي قلما يوجد مثلها في أمم أخرى، نظرا لما يتمتع به العرب من خفة ظل، حتى أنهم سخروا الشعر في كثير من هذه المواقف فتحولت بها إلى نادرة، “السياسة” طافت
عبر تاريخ العرب قديمه وحديثه وقطفت بعض هذه النوادر لتقدمها للقارئ حتى ترسم على ملامحه البسمات.

نزحت قبيلة عفر أو “عدال، أدال، عدل”، من اليمن إلى شرق أفريقيا، واستوطنت فيها، بعد حروب بينها وبين أحد ملوك اليمن، أسمت عاصمة مملكتها “أوسا” بعد هجرتها إلى الحبشة، هذا الاسم كان يطلق على قبيلة “أوسان” اليمنية، كما أطلق عليها اسم “العفار” أو “العفر”، امتدت مملكتهم من درداوة “جيبوتي حاليا”، جنوبا إلى شبه جزيرة بوري شمالا، من البحر الأحمر شرقا إلى الحافة الشرقية لهضبة الحبشة غربا.
تعددت قبائل عفار، الذين سموا بالعفر في اليمن والدناكل في شرق السودان، كان لكل قبيلة سلطانا، لذا سميت بـ “السلطانات العفرية”، التي امتدت أراضيها على طول الساحل الجنوبي للبحر الأحمر في القرن الأفريقي، حاليا أجزاء من إريتريا، إثيوبيا وجيبوتي، قامت بدور كبير في نشر الإسلام في القرن الأفريقي وهضبة الحبشة.
اشتهر من تلك السلطانات سلطنة “بيلول”، التي تقع على ساحل البحر الأحمر، حكمها السلطان “شحيم بن كامل الدنكلي”، كان ميناء بيلول أحد أهم الموانئ الرئيسية في المنطقة، ازدهر ازدهارا كبيرا لكثرة حركة التجارة، كما استخدم في نقل الحجاج من أفريقيا إلى اليمن ومنها إلى مكة والمدينة، كما استخدم كمحطة لتموين السفن القادمة من وإلى الهند.
كانت الحروب بينها وبين مملكة الحبشة حروبا مستمرة، اشتدت حدتها بعد دخول العفر في الإسلام، وكانت ممالك زيلع الإسلامية، تجاهد ضد الأحباش، واحدة تلو الأخرى، فإذا انهارت أحداها، رفعت الأخرى لواء الجهاد، وكان الإمام أحمد إبراهيم الذي يلقب بـ “أحمد جرى الأشول”، من أهم سلاطين المسلمين الذين تصدوا لعدوان الأحباش الصليبي، بل هاجمهم في عقر دارهم، ألحق بهم الهزيمة لأن غزواته اتسمت بالسرعة، المفاجأة، الشدة، كان جيشه يعتمد اعتمادا شبه كامل على العفر، الذين بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الإسلام وإعلاء كلمته.
ما زالت آثار تلك الحروب باقية حتى اليوم في الأراضي العفرية، إذ توجد مئات المقابر المبنية على شكل أهرامات لفرسانهم الذين استشهدوا في الحروب، يصل ارتفاع بعضها إلى عشرة أمتار، يطلق عليها اسم “ويدل”.
خاض العفر حروبا كثيرة ليس مع الأحباش فقط، بل حاربوا، باعتبارهم حراس البوابة الشرقية من البحر الأحمر، الفرس، اليونان، البرتغاليين، الأتراك والإيطاليين.
الغريب أن الدولة العثمانية لم تتدخل لحماية المنطقة إلا في وقت متأخر بعدما شعرت بالخطر القادم من البحر الأحمر، فدعمت جميع السلطانات، الإمارات، القبائل، ضد الاحتلال البرتغالي ومملكة الحبشة، مما مكنها من تحقيق انتصارات عظيمة ضد أباطرة الحبشية الصليبيين والمحتلين البرتغاليين، مما جعلهم هدفاً من قبل المحتلين الأوروبيين الذين سعوا لاحتلال بلادهم، تفتيتهم، تقسيم بلادهم إلى ثلاث دول، أثيوبيا، إريتريا وجيبوتي، خصوصا بعد وفاة السلطان “علي مرح”، الذي كان الجميع يخشون بأسه يوما، يسعون لخطب وده.
بقيت السلطنة مستقلة حتى عام 1930م، لكن مع انتهاء الوجود المصري في سواحل البحر الأحمر، لم تعد السلطنة قادرة على التحرك باستقلالية، بعدما حاصرها الإيطاليون في إريتريا والفرنسيين في جيبوتي، ثم تحركت أطماع الحبشة القديمة لتأكيد سيطرته عليها.
يبلغ تعداد القبائل العفرية حاليا، أكثر من سبعة ملايين، تتوزع على دول القرن الأفريقى على شكل مثلث يطلق عليه “المثلث العفري”، يمثلون نسبة 4 من سكان أثيوبيا، نسبة 10 في المئة من سكان أريتريا، ونسبة 50 المئة من سكان جيبوتي، رغم ذلك ما زالوا حتى اليوم يمثلون شوكة في حلق الأنظمة الحاكمة في تلك الدول وحلفائهم من الدول الكبرى، الذين يحرصون على إذلالهم وإخضاعهم، انتقاما لدفاعهم عن الإسلام، ووقوفهم في وجه أطماعهم الصليبية.
كان دخول الإسلام إلى أفريقيا عبر أراضيهم، إذ كان ميناء “معدر” العفري، معبراً للفوج الأول من الصحابة، إلى ملك الحبشة “النجاشي”، كان العفر وثنيون قبل الإسلام، ثم اعتنقوا الإسلام السني، على مذهب الشافعي والحنفية، حسن إسلامهم.
يتحدث العفر لغتهم العفرية، اللغة الكوشية، تضم لغتهم الكثير من الألفاظ العربية، كما كتبت بالعربية، لكنها تحولت للاتينية منذ عقد السبعينات من القرن الماضي.
تميز العفر بصفات جسمانية خاصة، كما اتصفوا بالزهد، والصبر على المكاره وشظف العيش.

You might also like