الغرب قرأ ابن خلدون وتعلَّم … والعرب يُعيدون مهازل التاريخ

0 354

أحمد عبد العزيز الجارالله

هناك من يتساءل: ماذا تغير في القرن الماضي عربيا، عما كانت عليه الحال في أيام الخلافة العثمانية، التي حكمت حوالي 400 عام، وهل استفاد العرب، أقله في نصف القرن الماضي من تجاربهم، أم أنهم لايزالون على سيرتهم الأولى، يبنون فيهدمون ما بنوه ليعيدوا البناء مرة جديدة بشكل مشوه، وأكثر بشاعة مما مضى؟
اليوم حين يقرأ المرء ما كتبه عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته عن حال الدول عندما تنهار، ويقلب النظر في واقع الأمة، لا يجد فرقاً كبيراً بين أمس غابر وحاضر نعيشه بكل مراراته.
قبل نحو 700 عام كتب الرجل ” عندما تنهار الدول، يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف، وتظهر العجائب وتعم الشائعات، ويتحول الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق، ويعلو صوت الباطل، ويخفتُ صوت الحق”.
في الكويت، مثالا، سادت في العقود الأربعة الماضية أكذوبة ما سمي”الصحوة الدينية” ومن خلالها جرى تمرير أفكار جماعات متطرفة، همها الإمساك بزمام الدولة، وتطويعها وفقاً لرؤاها، وفي سبيل ذلك ارتفعت الأصوات بالتخوين، وإهانة كرامات الناس، فيما اصطفت مجموعة من الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع قضاة السماء على الأرض، ويدخلون من يشاؤون الجنة اذا اقترب من خطهم، ويخرجون كل مناوئ لهم الى النار.
في تلك المرحلة” ظهرت على السطح وجوه مريبة، واختفت وجوه مؤنسة”، كما كتب ابن خلدون، الى أن سقطت الأقنعة عن الوجوه الكالحة لتظهر لحى الزيف، المتاجرة بكل القيم، وحرفت مسار المجتمع عندما هيمنت على التعليم، وجعلته سلعتها الرابحة، فـكثر المنجمون، وازدادت غربة العاقل، فشحت الأحلام ومات الأمل، حين أصبح الانتماء الى القبيلة أشد التصاقاً، وإلى الأوطان ضرباً من ضروب الهذيان، وضاع صوت الحكماء، في ضجيج الخطباء، والمزايدات على الانتماء وعلى مفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين”، هذه الحقيقة سطرها ابن خلدون ونعيشها واقعا اليوم، وبدأت تتراجع وحدة المجتمع حين راح يتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة، وتسري الشائعات عن هروب كبير، وتحاك الدسائس والمؤامرات، وتكثر النصائح من القاصي والداني، وتطرح المبادرات من القريب والبعيد، ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته، ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار”.
لسنا نبالغ إذا قلنا إن الخطيئة الوحيدة التي تتحمل وزرها الكويت هي حين أسلمت قيادها الى تلك الجماعة الشاذة عن كل القيم، أعني “الإخوان” التي عملت طوال العقود الاربعة الماضية على خطف المجتمع ودفع الناس الى اليأس من المستقبل، وركبت موجة التحريض حين لاحت لها بادرة منفذ إلى السيطرة، فخرجت في نوفمبر العام 2011 معلنة أن ما سمي “الربيع العربي” سيبدأ في الخليج من الكويت، فأقدمت على ارتكاب الجرائم ضد الكويتيين، عبر تظاهرات ومحاولات زعزعة للأمن الداخلي، وخرق الدستور، فيما قادتها كانوا، للأسف من المحسوبين انهم مشرعون، الذين يجب أن يكونوا قدوة للناس، في التزام القانون، وليس الخروج عليه.
كنت اتمنى أن يقرأ الفارون الى تركيا من وجه العدالة كلام ابن خلدون، وينظروا الى حال الكويت، وكيف يمكن أن يساعدوا على عدم الوقوع في ذلك الفخ، لكنهم للأسف شبوا على الانحراف عن الحقيقة، ووظفوا كل مازرعوه حين هيمنوا على التعليم في إنتاج متطرفين، واستطاعوا التغرير بشباب، كانت تعقد عليهم الآمال في بناء وطن يليق بهذا الشعب المعطاء.
بدلا من العمل على سيادة القانون، كانوا دعاة الى الخروج عليه، وبدلا من احترام المؤسسات، اقتحموا مجلس الامة وكسّروه، كأنهم يعلنون سقوط الديمقراطية التي ساروا تحت مظلتها من أجل تحقيق مآرب دنيئة، اعتدوا على القضاء بأبشع الصور، وحاولوا اخضاعه لمشيئتهم، لكنهم فشلوا في كل ذلك.
في المقابل تعاملت معهم السلطات كافة برأفة، وأفسح لهم القضاء الدفاع عن أنفسهم، طوال سبع سنوات ونصف السنة، فيما لو كانوا ارتكبوا هذه الجريمة في دولة يحكمها نظام، كالذي يحكم الدولة التي لجأوا اليها لكانوا الآن قابعين في السجون بأحكام ثقيلة، اذا لم تعلق لهم المشانق.
هؤلاء غرروا بشباب كثر، وتسببوا بسجنهم، فيما هم استغلوا حصانتهم في الفرار الى الخارج، الى حيث يمكنهم التحريض على الحكم والمؤسسات، عاملين بقول الشاعر العباسي:
“يلقاكَ يحلفُ أنه بكَ واثقٌ
وإذا توارَى عنكَ فهوَ العقرَبُ”،
ووفقا لهذا البيت من الشعر علينا أن ننظر الى من يسعى للعفو عنهم، نظرة صالح بن عبدالقدوس في قوله:
“يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً
ويَروغُ منكَ كما يروغُ الثّعلبُ”
لأنهم يسعون في أمر لا بد أن يجلب الويل على الكويت، فالذين ارتكبوا هذه الجرائم وفروا من البلاد لا شك حين يعفى عنهم سيعودون كالأبطال ليعيدوا سيرتهم الأولى، فيكملوا مخططهم الذي وضعته جماعة إرهابية، هي “الإخوان”، و عاثت دمارا وخرابا في مصر وعدد من الدول العربية، ودفعت الى حرب أهلية في سورية، وبعض الدول الأخرى.
لا شك أن هؤلاء لن يجدوا أرضاً أكثر حنواً عليهم من بلادهم، ولا أعتقد أن تركيا ستغامر بعلاقاتها مع الكويت برفض تسليمهم، فيما لو أن الأخيرة طلبت ذلك، وبالتالي لن يجدوا مفراً من الأنصياع الى حكم القضاء، اذا كانوا فعلاً يسعون الى إصلاح.
رحم الله عبدالرحمن بن خلدون الذي عمل الغرب بنصائحه، فيما العرب الذين تكلم بلغتهم لم يقرأوا ما كتب الرجل، وإن قرأوا فلم يعتبروا ويتعلموا رغم أن التاريخ بدأ يعيد نفسه، لكن هذه المرة كمهزلة.

You might also like