باحثون وخبراء ناقشوا أسباب وآثارغياب الكتاب وحضور الـ”آيباد” الندوة عقدت في المكتبة الوطنية ضمن مؤتمر الطفولة المعاصرة الخامس

0 226

كتبت- إيناس عوض:

افتتحت مكتبة الكويت الوطنية مؤتمر الطفولة المعاصرة الخامس بندوة ثقافية تربوية تحت عنوان ” غاب الكتاب وحضر الآيباد” أدارها المدير العام للمكتبة كامل العبد الجليل، وقدمها كل من رئيسة الجمعية الوطنية لحماية الطفل الدكتورة سهام الفريح، واختصاصي طب العائلة الدكتور أحمد عبدالملك، وأستاذ علم الاجتماع والانثروبيولوجيا الدكتور يعقوب الكندري، والمحامي بدر حسين المطيري نيابة عن المحامية عذراء الرفاعي، وعضو هيئة التدريس في جامعة الكويت وعضو المجلس الأعلى لشؤون الأسرة التابع لمجلس الوزراء الدكتورة أمثال الحويلة،وكاتبة وراوية قصص الأطفال والمستشارة في مؤسسة الكويت للتقدم العلمي منيرة العيدان.
استهلت الندوة بكلمة ترحيبية ألقاها العبد الجليل أكد من خلالها أهمية موضوع المؤتمر الذي يتناول أبعادا تدور في فلك قضية حيوية وهي ثقافة الطفل في زمن التكنولوجيا التي باتت تائهة بلا جذور ولا انتماء، مشيراً الى أن استضافة المكتبة الوطنية لمثل هذا المؤتمر تنطلق من الايمان العميق بأهميتها كمنارة للاشعاع الثقافي والفكري وحلقة وصل هادفة مع المجتمع، وليست مخزناً لحفظ الكتب وصنوف المعرفة فقط.وتمنى أن يخرج المؤتمر الذي يجمع نخبة من الباحثين والمتخصصين البارزين بالمجالات الثقافية والتربوية والاجتماعية والصحية والقانونية، بتوصيات ناجعة وحلول فعالة تحد من الآثار والانعكاسات السلبية للتطورات التكنولوجية الهائلة على الأسرة والطفل.
رئيسة الجمعية الوطنية لحماية الطفل الدكتورة سهام الفريح أكدت أن سطوة الأجهزة الذكية على ذهنية الأفراد كباراً وصغاراً أمر لامفر منه، مضيفة أن للأجهزة الذكية فائدة كبيرة إن احسن استخدامها، لكن يساء استخدامها عند الصغار عندما تغيب الرقابة اللازمة من الأهل والاطفال، متسائلةً:هل بسبب هذه الأجهزة هجر الكتاب وأغفل من الكبار قبل الصغارفي مجتمعاتنا؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟.
وأجابت الفريح عن تساؤلاتها بعرض مقارنة رقمية بين حجم القراءة لدى الفرد العربي، وبين حجمها في المجتمعات الاخرى، مشيرة الى ان تقرير التنمية البشرية الذي نشرته منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم عام 2003، اكد ان المواطن العربي يقرأ أقل من كتاب في العام الواحد، وان كل 80 عربياً يقرأون كتاباً واحداً، مقارنة بالمواطن الاوروبي الذي يقرأ 35 كتاباً سنوياً، ويستغرق 900 ساعة سنوياً في القراءة، وذكر التقرير أن كتب الثقافة التي تنشر في الوطن العربي لاتزد عن 5000 كتاباً، أما في الولايات المتحدة فيصدر سنوياً 300 ألف كتاب، يضاف اليها الكم الهائل من مجلات الاطفال، حيث تعد الأولى في صحافة الأطفال في العالم.
وانتهت الفريح الى تعدد الأسباب التي أدت الى هذا القصور، لافتة الى سبب رئيس،فليس الكتاب الذي أهمل وانما اللغة الأم هي التي اهملت لدينا وهي العنصر الذي يميز انسانية الانسان، وذاكرة الامة التي تعبر عن مصالحها، وتحفظ تاريخها وآدابها ومعتقداتها وقيمها، فعندما لايحسن الفرد استخدام لغته، فانه سيجهل الكثير من تاريخه ومعتقداته وقيم أمته، مشيرة الى ان اللغة العربية تتميز بالخصائص الكامنة في اعماقها التي تجعل منها لغة حية ونامية على مر العصور، وحيويتها تكمن في استيعابها لكل ماهو جديد في عالم المعرفة حتى قبل أن تكون لغة الاسلام الذي مدها بقوة وثبات وديمومة.
ولفتت الى ان أول خطوة للاهتمام باللغة العربية واعادة المكانة المرموقة لها تبدأ بالنشء، وضرورة اعادة النظر في المناهج التعليمية والكتب المدرسية الجامدة التي لاتنمي أي رغبة بالانتماء اليها والى ما تختزنه من موروث، وكذلك الحال فيما يكتب للاطفال غير المناهج التعليمية والكتب المدرسية أي في أدب الأطفال والثقافة العامة، فحالها لايسر، اذ أصبحت الكتابة للطفل مهنة من لامهنة له، مشددة على ان للكتابة في أدب الطفل شروطا وضوابط لايتحقق لصاحبها النجاح الا بالاتيان بها، أولها يستلزم استخدام لغة يفهم دلالاتها وتكون مميزة عن لغة الراشدين، فهي لغة السهل الممتنع، فليس كل مايكتب للكبار يمكن تبسيطه وتقديمه للاطفال وفي هذا التصرف استهانة بعقل الطفل وطريقة تفكيره.
واختتمت الفريح بالتأكيد على ضرورة ان تتوافق الكتابة للأطفال مع قدراتهم ومراحل نموهم العقلية والنفسية والاجتماعية، والتي يجب ان تقترن بدقة الاستعانة من كتب التراث، واستنباط العناصر التي تعزز القيم والمبادئ الأصيلة لدى الطفل والناشئة، مشيرة الى مثال لأخطر هذه الاستعانات وهو ما اختزنه كتاب ” ألف ليلة وليلة” من حكايات واساطير ملفقة، لم تكتب للاطفال أصلاً وانما للكبار والعامة.
بدورها قالت الدكتورة أمثال الحويلة: إن عنوان الندوة “غاب الكتاب وحضر الآيباد” يوحي بالدور الحيوي الذي تلعبه التكنولوجيا في ثورة العولمة الحديثة وماله من تأثيرات ذات عواقب وخيمة على الأسرة العربية بصفة عامة والخليجية بصفة خاصة التي تتعرض لتحديات كثيرة وأخطار مترامية مع ما يشهده المجتمع من تحولات متسارعة وتغيرات مادية وفكرية تتزامن مع اتساع وتيرة العولمة والانفتاح المحلي على الثقافات الغربية، مشيرة الى ان مواجهة التحديات الاجتماعية والاخلاقية والثقافية التي تعصف بالأسرة الخليجية تتطلب تضافر جهود وسائل الاعلام لابراز القيم الاسرية، وجهود الاسرة في تشكيل التفاعل الواعي مع وسائل الاتصال، وجهود الاسرة الفاعلة في التاثير الناجع على الابناء.
واستعرضت الحويلة بعض التفاصيل التي وردت في مقال نشر في صحيفة:نيويورك تايمز” عن استخدامات” الآيباد “وخطورة التكنولوجيا وضرب أمثلة لكبار أصحاب شركات التكنولوجيا في العالم أمثال ستيف جوبز، وكريس أندرسون المدير التنفيذي لشركة “دي روبوتكس” ومخترع الطائرة بدون طيار وغيرهما الذين كانوا يحددون أوقاتاً معينة لاطفالهم لاستخدام الاجهزة الذكية.
واختتمت بعرض توصيات ومقترحات للباحثة الاسرية كاثرين بوث وضعتها بعد دراسة الآثار السلبية النفسية والاجتماعية والتربوية للاجهزة الالكترونية الذكية على الاطفال وسبل الحد منها بعمل مايلي:
وضع جدول ثابت أو مرن لأوقات بقاء الطفل أمام “الآيباد”
عدم وضع الجهاز في غرفة نوم الطفل.
توفير سبل الدعم العاطفي للاطفال وانماؤه على الدوام.
اللجوء الى الطبيب عند صدور أي سلوك مقلق.
تضافر جهود الدولة المؤسسية في ايجاد حلول واقعية للمشكلة تربوياً ونفسياً وعلميا.
تحدث اختصاصي طب العائلة الدكتور أحمد عبدالملك عن التأثيرات الصحية السلبية للافراط في استخدام الاجهزة الذكية على الاطفال والناشئة، مشيراً الى ان التوصيات الطبية والدراسات في هذا المجال قليلة وغير متطورة بسبب حداثة الموضوع برمته، وعدم اكتمال النتائج البحثية المرتبطة به.
وكشف عبد الملك عن أن سوء الاستخدام للاجهزة الذكية والافراط في التعامل معها من قبل الاطفال ساهم في ارتفاع معدلات السمنة والبدانة لديهم، وهو ما يرفع احتمالات اصابتهم بالامراض المزمنة مثل السكري والضغط بمراحل عمرية مبكرة وهو ما لم يعان منه الأطفال سابقاً، يضاف الى ذلك اصابة الاطفال بآلام الرقبة والديسك نتيجة وضعية الجلوس المرتبطة باستخدام الاجهزة الذكية التي تزيد من تحميل الرأس على فقرات الرقبة بمعدل مضاعف، وايضا تتسبب الاجهزة الذكية بالمشكلات السلوكية لدى الاطفال وتعرضهم للعزلة وتفصلهم عن العالم الواقعي، كما تصيبهم بالاجهاد العصبي وضعف النظر وجفاف العين، حيث يقل معدل الترميش للعين الى النصف أثناء تركيز النظر على شاشات الاجهزة الذكية.
واختتم بذكر أبرز التوصيات الطبية في هذا الاطار، وهي منع الاطفال الذين تقل أعمارهم عن عامين من استخدام الاجهزة الذكية، والسماح لمن هم أكبر من عامين باستخدامها لمدة لاتزيد عن ساعة واحدة في اليوم، مع الحرص على تفعيل خاصية الأمان للألعاب والمحتوى الذي يطلعون عليه.
واستعرض استاذ علم الاجتماع والنثروبيولوجيا بكلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت الدكتور يعقوب الكندري نتائج دراسة ميدانية حديثة أجراها على عينة تتكون من 800 طفل أعمارهم أقل من 18 سنة، تناولت تأثيرات سوء استخدام الاجهزة المحمولة وأثرها على العزلة الاجتماعية عند الأطفال، مؤكداً أن الوسائل التكنولوجية أثرت على حياة الانسان والاجهزة المحمولة أصبحت جزءا من حياته.
وأشار الكندري الى أبرز العوامل التي شجعت الاطفال على ادمان التعامل مع الاجهزة الذكية،منها توفر خدمة “الوايفاي” المجانية في أغلب المرافق العامة، والسرعة في التقنية، والسهولة في الحصول على الاجهزة،والاعتماد على الاجهزة المحمولة وليس الحاسب الآلي.
بدوره تحدث المحامي بدر المطيري نيابة عن زميلته المحامية عذراء الرفاعي عن الشق القانوني في موضوع الندوة، مؤكداً أن الاهتمام بقضايا الاطفال من الاهتمامات التي سعت لها دولة الكويت،حكومة ومؤسسات مجتمع مدني، الى وضع سياسات تشريعية وطنية وبرامج وانشطة اصلاحية تتوافق مع طبيعة الطفل واهتماماته، محدداً بنود الآلية التي استندت اليها قوانين ومواد حماية ثقافة الطفل من مخاطر الكتنولوجيا، في مقدمتها حماية الطفل من مخاطر أدوات تقنية المعلومات وشبكاتها في القانون.
استهلت منيرة العيدان حديثها بتعريف القصة الشعبية أو “الحزاية” موضحة انها نتاج البيئة الاجتماعية من آمال وأفكار ومخاوف وتطلعات وتجارب ومحاذير، جمعت شفهياً وتوارثت من جيل لآخر لمئات السنين، وهي عادة ما تغذي احتياجات الطفل الوجدانية في سن 7 سنوات وما أقل، أي الطفل غير القارىء، مشيرة الى انها اكتشفت من خلال عملها غياب هذه التجربة من حياة الاطفال الذين لايعرفون الاهازيج ولا ابطال القصص الشعبية ولا حتى لغة عربية سليمة.
واستعرضت نتائج استفتاء أجرته على موقع التواصل الاجتماعي “الانستغرام” عن حجم اقبال الاطفال على القصص الشعبية أو القصص المستمدة من التراث العالمي وميول الاهل لكليهما، شارك فيه 400 شخص وانتهى الى موافقة 90 في المئة من العينة على اهمية القراءة بالنسبة للطفل في سنوات عمره الاولى، وتفضيل 70 في المئة للقصص العالمية عن الشعبية.
واختتمت بالتأكيد على أن التعامل مع الاجهزة الذكية أمر مفروض ولا يمكن التملص منه، مشيرة الى أن هذه التكنولوجيا أثرت على الأهل قبل الاطفال. مشددة على أن قصة الاطفال المقروءة لن تفقد بريقها طالما وجد من هو قادر على روايتها باسلوب جذاب وشيق و كتابتها بأسلوب معاصر يحترم القيم والعادات الاجتماعية ويقدر التراث.

You might also like