جمعة البشير وسبت ماكرون

0 244

أحمد عبد العزيز الجارالله

في الغرب عموماً، وفرنسا خصوصاً، يتقدم الاقتصاد على السياسة، والرفاهية على ما عداها، لذلك حين خرج الفرنسيون إلى الشارع احتجاجا على رفع اسعار الوقود، فتحت الابواب على ازمة مستجدة وهي زيادة رفاهية الطبقة العاملة، صحيح أنها وصلت الى حد المطالبة برحيل الرئيس ماكرون، لكنها ظلت تحت سقف الاحتجاج الذي لا يضرب جوهر الدستور والقانون.
في السودان خصوصا، والعالم العربي عموما، يتخلف الاقتصاد الى الدرجة الثالثة، وربما العاشرة طالما ان السياسة بشياطين تفاصيلها حاضرة، فيتحول الاحتجاج على الوضع المعيشي الصعب الى شعار يتيم درج العرب على استخدامه منذ العام 2011 وهو” الشعب يريد اسقاط النظام”.
في فرنسا كل سبت يخرج المتظاهرون الى الشارع يحتجون ويرفعون مطالبهم ويعودون الى بيوتهم، صحيح ان في بداية التظاهرات، قبل نحو شهرين، جرى اعتداء على الاملاك العامة والخاصة، لكن استوعبت اجهزة الامن الوضع، وقدمت الحكومة ضمن الامكانات المتاحة بعض التنازلات التي لا ترهق الاقتصاد الراكد اساسا.
في السودان حيث كل جمعة يخرج المتظاهرون، يختلف الوضع، فالبلاد تعاني حصارا اقتصاديا منذ سنوات، وحروباً اهلية، وحركات انفصالية، وازمة معيشية، وغيابا تاما لبرامج حزبية تنموية يمكن التعويل عليها، والدولة محدودة الامكانات نتيجة الوضع الاستثنائي، وتبحث ضمن المتاح عن حل للازمة.
رغم الاختلاف بين وضعي البلدين بقي ايقاع الاحتجاجات تحت سقف عدم اللجوء الى المطالبة باسقاط النظام، غير ان في السودان كان الخوف من ان تتحول التظاهرات فخا لحرب اهلية تقع فيه البلاد، فيزداد الجوع، وتستفحل الازمة لجهة ازدياد المطالبين بالانفصال عن الدولة الام، وذلك تبعا للموروث العربي في هكذا نوع من الازمات، لكن يبدو ان السودانيين تعلموا من الفرنسيين، ولم يستنسخوا الاسلوب العربي الذي استخدم في العراق وسورية وليبيا واليمن، وغيرها من الدول التي وقعت في فخ ما سمي “الربيع العربي”.
هذه نقطة تحسب للسودانيين، لكن على الحكومة ان توفر فرص عمل لنحو خمسة ملايين شاب عاطل، وبطالة بلغت 20 في المئة، فيما 36 في المئة من الشعب يعيشون تحت خط الفقر، في بلد لديه من الثروات الطبيعية الهائلة ما يجعله منتجا ومصدرا من الدرجة الاولى.
الثروات الفرنسية تبدو محدودة امام ما لدى السودان، لكن هناك تخطيط وإدارة قادرة على جعل هذا البلد بمصاف القوى العظمى، بينما في البلد العربي الافريقي الثروات هائلة لكن الادارة غائبة، وهذا في حد ذاته اساس المشكلة التي اذا لم تعالج بحصافة فان الازمة ستستفحل اكثر.
لم يُقدم الرئيس البشير على قمع التظاهرات بالاسلوب العربي المعهود، وهذا يعني الابقاء على الابواب مفتوحة امام حلول تنقذ الدولة التي لا يمكن ان تقدم ما لا تملكه، لكن لا مفر لها من معالجة اقتصادية وليس الركون الى الصراع السياسي لانه هو وحده من جعل السودان تتخلف عن استغلال ثرواتها طوال ستة عقود بعد تحررها من الاستعمار الاجنبي.

You might also like