طراطير طهران “الدونكيشوتية”

0 470

حين استمعت إلى خطبة مرشد نظام الملالي علي خامنئي أمام قادة القوات المسلحة الإيرانية قبل أيام وشرحه للشعار التاريخي “الموت لأميركا”، تذكرت حادثة شهيرة وقعت لرئيس وزراء مصر النحاس باشا في أربعينيات القرن الماضي، يومذاك، كان معارضوه ينعتونه بـ”الطرطور” ويشيعون أن زوجته تتحكم به، وأنها هي رئيسة الوزراء وليس الباشا، لهذا أفرد إحدى خطبه في البرلمان للحديث عن ذلك، ووقف الرجل قائلا: “يقولون إنني طرطور في نظرهم”، فهتف نوابه: “عاش الطرطور”، وحين أضاف: “لكن أنا لست طرطوراً”، هتفوا: “يسقط الطرطور”.
طوال أربعة عقود رفع نظام الملالي شعار “الموت لأميركا… الموت لإسرائيل”، وحين بدأت المفاوضات حول الاتفاق النووي كان أول إجراء تتخذه قيادة طهران إزالة اليافطات التي تحمل هذا الشعار من الشوارع، لكن عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق أعيد رفع تلك الشعارات.
هذا يبين إلى أي مدى أن نظام الملالي، وعلى رأسه خامنئي، ليس لديه غير الشعارات يقاتل بها أميركا وإسرائيل، ففي الوقت الذي تقصف فيه الطائرات الإسرائيلية يوميا قواته في سورية، لا يجرؤ على الرد عليها بالمثل بل يكتفي بالصراخ والتهديد ويعمد إلى الهرب ناقلا مخازن أسلحته من مطار دمشق إلى حمص، فيما يخرج تابعه “قفه” اللبناني حسن نصرالله ليرعد ويزبد مهدداً بدحر الجيش الإسرائيلي في أي مواجهة، وهو يختبئ بدهليز في الضاحية الجنوبية لبيروت.
نصرالله في ذلك لا يختلف عن قادة إيران الذين يعيشون “دونكيشوتية” لم يسبق لها مثيل، فهم ملأوا الدنيا بشعارت التحدي والتغلب على “الاستكبار العالمي” “وتحويل البيت الأبيض الأميركي حسينية”، بينما لم يتصدوا يوما لجندي أميركي، أو يطلقوا رصاصة على إسرائيل، في حين يلجأ قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري إلى جزيرة أبوموسى الإماراتية المحتلة ليوجه تهديداً منها إلى دول الجوار وإسرائيل وأميركا.
في الوقت نفسه يخرج وزير خارجيته محمد جواد ظريف نافيا أن قادة بلاده قالوا يوما ما إنهم سيزيلون إسرائيل من الوجود، تماما كما فعل في حديثه إلى صحيفة “لوبوان” الفرنسية قبل نحو شهرين.
النظام الإيراني في مواجهته مع الولايات المتحدة وإسرائيل يعمل بقاعدة “أشبعونا ضربا وأشبعناهم شتما”، فهو يتكبد يوميا خسائر في اليمن وسورية والعراق، ومع ذلك لا يخجل خامنئي من الظهور مهدداً بتمريغ أنف أميركا في التراب.
هذا الانفصام في الشخصية السياسية لنظام الملالي، إضافة إلى الإرهاب التاريخي الذي مارسه طوال العقود الأربعة الماضية كانا الأساس في عزلته الدولية، وبدلا من النظر بواقعية إلى الوضع الداخلي والنقمة الشعبية المتزايدة، والبحث في سبل إخراج إيران من أزمتها الخانقة يعيش هؤلاء على الشعارات، فيما هناك من يُردِّد خلفهم الشعارات التي يطلقونها، وكأنهم يطبقون حرفيا ما جرى مع النحاس باشا، لكن بدلا من طرطور واحد ففي طهران مئات الطراطير وإن حاولت أن تظهر بمظهر الطواويس.

أحمد الجارالله

You might also like