علي الكسار… “مليونير خفي”سحب البساط من الريحاني ومات فقيراً نجومية ونهاية مأساوية 13 من 13

0 90

ابتسامته قتلها سرطان البروستاتا فظل فريسة للآلام سنوات

هرب من مهنة السروجي إلى عالم الطباخين فانبهر بالشخصية النوبية

ارتبط بالأراجوز… وحبا في والدته اختار اسم عائلتها ليشتهر به

مسيرته دامت 50 عاما قدم خلالها نحو 200 مسرحية و40 فيلما

بعد النجومية قدم أدواراً ثانوية بسبب الاحتياج المادي في أواخر حياته

القاهرة – محمد حليم:

من يقترب من حياة مشاهير الفن، يجدها أكثر درامية ومأساوية من الأعمال الفنية التي قدموها وجسدوا شخصياتها رغم وهج الشهرة والحفلات والثراء الذي تمتعوا به لسنوات طويلة.
في هذه الحلقات تقترب “السياسة “، أكثر من حياة مجموعة من أشهر نجوم الفن، ممن بلغوا قمة النجومية والشهرة وحققوا الملايين، عاشوا حياتهم بالطول والعرض، وأنفقوا ببذخ، لكن النهاية التي كتبها القدر كانت أكثر مأساوية مما نشاهده في الأعمال الدرامية.

تميز بقصر القامة، وشارب أسود قصير، ووجه تعلوه التجاعيد، بجانب جلبابه المميز الذي يبرز فوقه القبعة التي تحمل نقوشا معينة وظل يرتديها طوال مسيرته، علاوة على ابتسامته البسيطة وضحكته الطفولية التي أسعدت الجمهور، بخلاف لونه الأسود الداكن ولهجته النوبية الملائمة لشخصيته الفنية فقط، فقد ظل الجميع يعتقد بأنه من النوبة الواقعة جنوب مصر، لكن الحقيقة أنه من مواليد القاهرة، فيها نشأ وتعلم الحرف في ورش مصر القديمة، ورغم ما قدمه من أعمال كثيرة جعلت النقاد يطلقون عليه الفنان “المليونير الخفي”، إلا أنه رحل دون أن يجد تكاليف علاجه، بعد صراع طويل مع سرطان البروستاتا.
إنه علي الكسار الشهير بشخصية “عثمان عبدالباسط”، البربري خفيف الظل والنوبي اللهجة، الذي رحل بعد أن قدم أكثر من 200 مسرحية و40 فيلما، وما زالت هذه الأعمال باقية في الذاكرة حتى الآن، بعد أن جعلته واحدًا من أساتذة الكوميديا المصرية، الذين استطاعوا بفضل روحهم الارتجالية رسم الابتسامة على وجوه الكبار والصغار، وهو ما عبر عنه في آخر ظهور له العام 1956 في حوار إذاعي نادر قائلًا “كانت كل آمالي أن أكون ممثلا جيدا قريبا من الجمهور، والحمد لله حققت ذلك”.
في 13 يوليو 1887 ولد علي محمد خليل سالم، في حي السيدة زينب بمصر القديمة، أما علي الكسار، فكان لقب عائلة أمه، التي ضحت بفرن تمتلكه عن عائلتها حتى لا يلتحق ابنها علي بالخدمة العسكرية، وقت الاستعمار الإنكليزي لمصر، كما ظل علي طوال طفولته مُدانا لأمه بكل ما تحمله له من الحب والعطف والحنان، ويفكر دومًا في كيفية رد الجميل، لم يكن يكفيه أن يجعلها راضية عنه في كل تصرفاته، وأن يلبي كل طلباتها، كان يرى أن هذا هو الطبيعي، لكنها تستحق شيئًا جديدًا وقديرًا لم يفعله أحدً من قبله، وهنا قرر علي حينما حقق الشهرة الفنية أن يلحق اسم عائلة والدته باسمه ليصبح علي الكسار.

حلم الأب
كعادة العائلات القديمة، كانت كل عائلة لها مهنة يتوارثها الأبناء، وعائلة علي الكسار تعمل في مهنة السروجي، وهو الشخص الذي يقوم بصناعة سروج الدواب من الخيول والحمير والإبل، وهو مشتق من “السرج” الجسم الداعم لراكب الدابة يثبت على ظهرها بروابط خاصة يكون مصمما لاعتلاء صهوة الجواد. لذلك كان والد علي يجلس في الورشة ينظر إلى الأطفال الذين يصطحبهم آباؤهم إلى الورش لتعليمهم المهن، وهو يدعو بأن يرزقه الله بابن مثل هؤلاء الأطفال حتى يأتي به إلى الورشة، استجاب الله لدعائه ورزقه علي، ففرح بقدوم من سيحافظ على اسم العائلة بين كل السروجيين، وما إن بلغ علي الخمس سنوات حتى أخذه أبوه الحاج محمد خليل إلى الورشة، كي يتعلم المهنة، ويحافظ على مصدر رزقهم الوحيد الذي ورثه عن أجداده، خصوصا أن هذه المهنة كانت قديمًا من أهم المهن الموجودة في حواري مصر ودروبها، عندما كانت وسائل المواصلات للمناطق القريبة هي عربات الكارو والحنطور، قبل أن تنتشر المواصلات الحديثة، أي أنها مهنة لها قيمتها الغالية في ذلك الوقت، لذلك كان والده حريصا على أن يزرع حبها في قلبه قبل أن يعلمه أصولها.
في الورشة جلس الصغير علي ينظر إلى أبيه وهو يعمل بالمهنة بتأن وإتقان محاولا أن يربطه بها حتى يقبل على تعلمها، لكن يومًا بعد آخر، بدأ يهرب من الذهاب إلى الورشة، لم تكن المهنة خفيفة على قلب الطفل الصغير، ولم يستطع والده أن يحببه فيها، فقد عشق شيئا آخر وتعلق به وهو “الأراجوز”، الذي شاهده مرة فتعلق به وأحبه حبًا عميقًا، لدرجة أنه قام بصناعته من الورق، لكي يلهو مع الأطفال في الشارع، حيث كان يقوم بجمعهم ليشاهدونه وهو يقلد الشخصيات والأصوات الغريبة وهو يختفي وراء الأراجوز، ليضحك أصدقاؤه وجميع الأطفال الذين جاءوا من الحواري المختلفة، ساعتها أدرك أنه خلق في الدنيا لكي يرسم الابتسامة على الوجوه.
غابت الفرحة من قلب الوالد، وبدأت علامات الخوف ترتسم في عينيه، وهو لا يحمل سوى التفكير في المهنة، التي يعتبرها كل شيء في حياته، وكل أمله أن يحافظ عليها، كما حافظ عليها والده بعد أن توارثها عن أجداده، ولكن ماذا يفعل مع ابنه الذي لم يحب المهنة، مثلما أحب اللهو بالأراجوز. لم يكن أمام والده إلا أن يعنفه، ويتعدى عليه بالضرب المبرح، وأخذه إلى الورشة بالإجبار، إلا أنه لم يجد منه استجابة فزاد حزنه عليه وعلى مهنته، وذات مرة عندما بلغ علي التاسعة أقنعت أمه والده بأن يأخذه خاله ليعمل معه في الطهي ليكون طباخا، فربما يحب تلك المهنة، على مضض يوافق الوالد بعد محاولات أمه، ورأى والده أن عمله كطباخ أهون من الاستمرار في اللهو مع الأطفال بالأراجوز.
يفرح الطفل الصغير بموافقة والده على أن يذهب للعمل في الطهي، فقد رأى في هذه الحرفة منفذا لأن يقطع الحبل الذي وضعه والده حول عنقه في توارث مهنة العائلة التي لم يجد نفسه فيها، ليلعب الحظ دوره عندما عمل في الطهي، حيث تعرف على مجموعة من النوبيين، فعشق لهجتهم، وما تركوه داخله من تأثير كبير بأحاديثهم، التي لها الفضل في تعلمه اللهجة النوبية وإلقاء الكلام بطريقة كوميدية تسبب الضحكات والفكاهة، التي كانت حصانه الرابح فيما بعد عندما استغلها في تجسيد شخصيته الفنية “عثمان عبدالباسط”، التي أسعد بها الملايين من عشاقه عندما قدمها على خشبة المسرح وفي السينما.

“سرق المعزة”
أما رحلته الفنية فبدأت عندما ذهب ذات مرة إلى “دار التمثيل الزينبي” في منطقة المواردي، لصاحبه فؤاد السويسي تاجر الأقمشة المعروف بالسيدة زينب، وما إن شاهد بعض الأعمال الفنية، حتى وقع مغرما في حب التمثيل، فطلب أن يعمل في هذا المجال، وبعد اختبار بسيط من صاحب الفرقة بدأ علي أولى خطواته في التمثيل، ومن هذه الدار المحملة برائحة التاريخ خرج الفنان علي الكسار، لينتقل بعدها إلى فرقة الفنان جورج أبيض، ومنها إلى شارع عماد الدين، أشهر شوارع الفن في مصر آنذاك.
شخصية “عثمان عبدالباسط”، التي اشتهر بها وظلت لصيقة به طوال مشواره لها قصة كشفها الكسار بنفسه في حواره مع الإذاعة المصرية العام 1956 قائلًا “عملت في كازينو دي باري الذي تمتلكه مدام مارسيل في شارع عماد الدين، وكان من ضمن الروايات التي شاركت فيها رواية “حسن أبوعلي سرق المعزة” عن شخص ذهب إلى العزبة التي يمتلكها في يوم شم النسيم مع الخادم عثمان عبدالباسط، اخترت شخصية الخادم وقدمتها بملامح البربري، وعندما أعجبت الجمهور مسكت فيها بإيدي”، وليحقق بعدها علي الكسار نجاحًا بارزًا له ولمدام مارسيل صاحبة الكازينو، لتبدأ المنافسة في شارع عماد الدين تشتعل بعد أن أصبح علي الكسار واحدًا من ضمن نجوم المسرح هناك، حيث نافس الفنان نجيب الريحاني، الذي اشتهر أيضا في ذلك الوقت بشخصية “كشكش بيه”، لكن الكسار بشخصيته الجديدة استطاع أن يسحب البساط من تحت أقدام نجيب الريحاني، عندما بدأت الجماهير تنتقل إلى كازينو دي باري لمشاهدة عثمان عبدالباسط بدلًا من كشكش بيه، وقد عبر الريحاني عن ذلك في مذكراته قائلًا “فكرت كثيرا في طريقة لإصلاح الفرقة، ورأيت أن كازينو دي باري المجاور لنا الذي تديره مدام مارسيل، ويعمل به الأستاذ علي الكسار، قد احتكر إقبال الجمهور، فما العمل إذن؟”.
ابتسمت الدنيا في وجه الرجل البسيط، الذي استخدم فنه في التعبير عن البسطاء والكادحين، وشجعه النجاح الكبير الذي حققه على التفكير في إنشاء فرقة مسرحية، حتى ينافس الريحاني ليس بشخصه، بل بفرقة متكاملة تحمل اسم الكسار، يواصل من خلالها رسالته في التعبير عن البسطاء الذين جاء من وسطهم البربري “عثمان عبدالباسط”، كما رأى أنها منافسة ستكون من أجل إسعاد الجمهور.
مرحلة جديدة تبدأ في حياة الكسار عندما يتعرف على الشيخ سيد درويش الذي كان يشبهه كثيرا في طيبته وعشقه للفن ورغبته في إسعاد الناس بالفن، خصوصا البسطاء منهم، فحدث تعاون فني بينهما في العديد من الأعمال، حيث لحن درويش لفرقة الكسار نحو 11 مسرحية، كما قدما عددا من الأغنيات المصاحبة للروايات فوق خشبة المسرح مثل “محسوبكو إنداس”. بعدها انتقل الكسار إلى مسرح “ماجستيك”، لينضم إلى فرقته المؤلف السابق في فرقة الريحاني أمين صدقي، لتتزايد المنافسة مع “كشكش بيه”، ويبدأ كل منهما الرد على الآخر في إطار العمل المسرحي، فعندما عرض نجيب الريحاني مسرحيته “حمار وحلاوة”، أعلن علي الكسار عن تقديم عمل مسرحى بعنوان “عقبال عندكم”، فلم يصمت الريحاني المعروف بعشقه للمسرح وحبه لروح المنافسة، ليقرر الرد بمسرحية “قولو له”، ليعود الكسار مرة أخرى بمسرحية “قلنا له”، فقد وجد الاثنان في هذه الروح فرصة، لأن تصل أعمالهما بشكل أسرع إلى أكبر عدد من الجمهور، ثم يقدم الريحاني مسرحية بعنوان “إش إش”، ليبتسم الكسار ويسعد بهذه الروح الفنية الخالصة ويقدم مسرحية “فلفل”، واستمرا هكذا على خشبة المسرح، والجمهور بينهما أكبر مستفيد لما يفعله أعضاء كل فرقة في إظهار أفضل ما عنده، وقدم علي الكسار رواية جديدة بعنوان “ولسه”، فرد عليه الريحاني برواية “فرجت”، ليرد عليه الكسار مرة أخرى برواية “راحت عليك”، ليقدم الريحاني مسرحية “الدنيا جرى فيها إيه”، فقدم الكسار “الدنيا بخير”.

“الخالة الأميركانية”
خرج علي الكسار من هذه المعركة محملًا بالآمال لخوض تجارب أخرى جديدة، بعد أن اتسعت طاقته الفنية أثناء المنافسة مع “كشكش بيه”، وينتقل بعدها “عثمان عبدالباسط” إلى السينما عام 1920، ليقدم “الخالة الأميركانية” وهذا العمل الفني كان فيلما قصيرا أخرجه الإيطالي بونفيللي، لكنه كان عملًا صامتًا لا يتناسب مع شخصية الفنان المسرحي علي الكسار الذي يحب لغة الحوار والارتجال، ليعود إلى المسرح مرة أخرى عن طريق فرقته، التي عمل على تطويرها بانضمام الملحن المعروف الشيخ زكريا أحمد، ويسافر الشام ليعرض أعماله المسرحية هناك، وذات مرة عام 1935، كانت السينما في مصر قد أصابها التطور، وانتقلت من العمل الصامت إلى لغة الحوار، لتستوعب عمالقة المسرح المصري، ليشارك علي الكسار في فيلم “بواب العمارة” إخراج ألكسندر فاركاش، وتفتح السينما له أبوابها ويقدم نحو 40 فيلما معظمها مع المخرج توجو مزراحي، حيث شكلّا ثنائيا وكانت أول أعمالهما العام 1936 “غفير الدرك” ثم توالت أفلامهما مثل “سلفني 3 جنيه”، “عثمان وعلي”، “100 ألف جنيه”، “علي بابا والأربعين حرامي”، “الساعة سبعة”، “نور الدين والبحارة الثلاثة”، و”التلجراف”، وقدم الكسار أفلامًا أخرى مع مخرجين آخرين أمثال ألفيزي أورفانيللي الذي قدم معه فيلم “يوم المنى” ومع المخرج عبدالفتاح حسن فيلم “محطة الأنس”، والمخرج حسن فوزي الذي قدم معه فيلم “ألف ليلة وليلة”.
شخصية الخادم النوبي التي برع في أدائها كانت تستغرق وقتا طويلا في الإعداد لها، قبل أن يصعد خشبة المسرح أو أن يقف أمام الكاميرا، وفق ابنه ماجد الكسار، الذي قال أن والده كان قبل أن يبدأ عمله يقوم بطلاء وجهه بخلطة خفية تجعل لون بشرته سوداء مثل أبناء الصعيد، غير أن والده الذي كان يراه الناس على المسرح وأمام الكاميرا خفيف الروح، كان في منزله شخصية جادة لا تعرف المرونة في القرار، ويهابه الكبير قبل الصغير.
رغم اعتلاء علي الكسار قمة النجومية، بعد رحلة طويلة دامت نحو 50 سنة، بدأها بأراجوز بسيط صنعه من الورق ليتجمع أطفال حارته ويضحكون على تقليده للأصوات، إلى أن وصل لمنافسة نجيب الريحاني وتقديم نحو 200 عرض مسرحي، ومنها إلى السينما، إلا أن الدنيا كشرت عن أنيابها في وجهه، وانقلبت ضحكتها لآلام في قلبه بعد إصابته بسرطان البروستاتا، ليمكث في منزله حزينًا، يتذكر ما فعله معه أبوه وهو دون التاسعة من العمر، بعد أن تعرض له بالضرب المبرح والعنف، من أجل أن يتعلم مهنة العائلة رغما عنه، لكنه استطاع أن يخرج من قبضته ويحقق حلمه وأن يكون فنانا يسعد الجمهور، ظل لسنوات يتمنى أن يعود للوقوف أمام الكاميرا ويتحرر من قفص المرض اللعين، كما تحرر من الحبل الذي أحسه ملفوفًا حول رقبته في الطفولة بعد أن وقف والده في طريق شغفه بالأراجوز.
خلال مشواره الفني استطاع الكسار أن يكون ثروة هائلة من الأموال، جعلته يلقب بـ “المليونير الخفي”، لكنه صرف كل أمواله على مرضه، ولم يتبق شيئًا لأسرته، لدرجة أنه في أواخر أيامه شارك في أدوار ثانوية ببعض الأفلام، وعمل في المسرح العسكري والمسرح الشعبي الحكومي من أجل توفير نفقات علاجه، وذات مرة اصطحب ابنه معه إلى مستشفى القصر العيني لإجراء عملية البروستاتا، وهو في طريقه إليها أحس الكسار أنه سينتقل إلى ربه، قبل أن يدخل غرفة العمليات عانق ابنه وكأنه يودعه، وبالفعل قبل أن تنتهي الليلة توفي الكسار عن عمر يناهز 69 عاما في 15 يناير عام 1957.

فرقة علي الكسار
الكسار مع إسماعيل ياسين
You might also like