قمة الرياض…خليجنا خير وسلام أوراق الخريف

0 225

د. احمد بن سالم باتميرا

حققت مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال اربعة عقود الكثير من الإنجازات، وما كان لها ان تتحقق لولا التوجيهات السديدة والمتابعة من لدن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس،حفظهم الله،وحكمتهم في قيادة هذه المنظومة المباركة نحو أهدافها السامية النبيلة، لكن التطلعات والاماني لتحقيق المزيد لشعوب دول المجلس ما زالت مستمرة، وهناك تفاؤل كبير بما هو قادم، مع التمسك بهذا التجمع الذي اثبت قدرته على البقاء والاستمرار والالتزام باهدافه ونظامه الأساسي.
الازمة الخليجية الحالية لا يمكن نكرانها أو التقليل منها، فهي حقيقة هزت كيان المجلس، وأثرت أحيانا على انعقاد بعض اجتماعاته بالصورة المعتادة، الا ان سلطنة عمان ولكونها كانت رئيسة الدورة السابقة، والتي تربطها علاقات طيبة مع كل الأطراف سعت من خلال رئاستها استضافة كل الاجتماعات الوزارية والهيئات والمؤسسات الخليجية المشتركة على أراضيها، والحفاظ على البيت الخليجي، واستعادة اللحمة الخليجية لمكانتها على مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
فالتجربة الخليجية ولدت لتبقى، ولن تتأثر بما يحدث لها أو يحاك ضدها أو يقال عنها، والخلافات بين الاشقاء ستزول وسيتم تجاوزها في نهاية الامر، فالجمع بين الاخوة الى طاولة واحدة، مؤشر إيجابي لفتح الأبواب المغلقة، وتبادل الاحاديث في كل ما من شأنه تقريب وجهات النظر، ولتسير السفينة كعادتها رغم الأمواج العاتية والوصول الى بر الأمان، ولعل إقرار رؤية الملك سلمان بن عبدالعزيز من قبل إخوانه أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس في قمة الرياض 2016، لتكون خطة عمل لتعميق التكامل بين دول المجلس وتؤكد أهمية هذا المنظومة وتكاملها في المجالات كافة.
اليوم، وبعد كل هذه الحفاوة واللقاءات المستمرة، والنتائج التي توصلت اليها اللجان الوزارية من توصيات وقرارات خلال اجتماعاتها الأخيرة، واكتمال الشمل الخليجي في مسقط بتكريم عدد من الشخصيات الخليجية البارزة في عدد من المجالات الرياضية والثقافية والكفاءات الإدارية وغيرهم، نظير مساهماتهم الفاعلة والناجحة على مستوى المجلس، واحتضان السلطنة لايام “مجلس التعاون” الخليجي أيضا، سعيا منها لترسيخ هذه العلاقات الطيبة، مع التأكيد على التاريخ الممتد من الأخوة والتعاون، هي رسالة مهمة وعميقة للأجيال الحالية والقادمة، ان “مجلس التعاون” الخليجي ولد ليبقى كما اراد له القادة المؤسسون، لذا علينا ان نتفاءل بالغد، ونكون مدعوون أيضا إلى التفكير الجدي للبحث في آليات جديدة تحقق أهدافنا الخليجية في التكامل والتعاون حتى نتمكن من تحقيق المزيد من التماسك والترابط في المجالات الحيوية كافة التي تهم شعوبنا.
المجلس، الذي ولدا قويا في قمة أبوظبي التاريخية عام 1981، لن تؤثر عليه عاصفة ثلجية ستذوب ان طال الزمن أو قصر، فاللحمة الخليجية متماسكة، والقادة العظماء المؤسسون لهذا التجمع الكبير زرعوا فينا قوة التلاحم والتكاتف، والتكامل، والتعاون والتسامح، ليبقى خليجنا واحدا، وعدم المساس به مهما واجهته التحديات والازمات.
وكلنا تابع منذ اندلاع الأزمة الخليجية الأخيرة كيف ظل الدور الكويتي قائما بدوره كوسيط لوقف الفتنة بين الدول تمهيدا للمصالحة والحفاظ على هذا الكيان الكبير، والعهد الذي قطعه القادة باستمرار المجلس، والعمل بروح الفريق الواحد لتؤكد الكويت انها ستبقى دائماً وأبداً ضد أي انقسام، أو تعطيل، لاجتماعات المجلس، معتمدة على ما لدى اميرها سمو الشيخ صباح الأحمد من خبرة في حل القضايا بالطرق السلمية، وهذا ما دعمته وتدعمه سلطنة عمان بقوة ووضوح.
من هنا أيضا جاءت اجتماعات مسقط واستضافة دوحة الخير لدورة كأس الخليج لكرة القدم 24، وقبلها كانت هناك اجتماعات في الرياض لاستكمال المسيرة والحفاظ عليها، وتبادل وجهات النظر في القضايا كافة التي تهم المواطن الخليجي والتي كانت في صلب الاجتماعات الوزارية. فالتحديات التي تواجهنا في دول الخليج العربية متعددة، لكن وحدة الكلمة والمواقف الثابتة وصلابة المجلس، وحكمة قادتنا، ونظرتهم للمستقبل ستجعلنا نواجه التحديات بقلب واحد ويد واحدة، وتجعلنا نتمسك بآلية انعقاد القمة الخليجية السنوية في موعدها خلال شهر ديسمبر من كل عام، وأيضا الاجتماعات الخليجية المشتركة لتعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك.
امس استضافت العاصمة الرياض القمة الخليجية في إشارة الى تمسكنا بهذا الكيان الوحدوي، وان أي خلاف يطرأ، او أي ازمة مهما بلغت لن تؤثر على استمراره وانعقاده، واننا سائرون في الطريق الصحيح للتصدي لخلافاتنا، ومواصلة المشوار، والعمل على تهدئة العاصفة، ومواجهة الخلاف بشيء من التأني والحكمة لان اضرار الخلافات بالغة على الشعوب الخليجية جميعها.
لذا فاننا متفائلون بقادم الأيام ان تنقشع هذه السحابة ويذوب الجليد، وتكون أرض المملكة هي بداية الغيث للمصالحة الخليجية، بحضور الدول الاعضاء كافة لتجاوز الماضي بكل سلبياته، لان هذه القمة التاريخية هي قمة” المصالحة والوفاء”، المصالحة لانهاء الخلاف، والوفاء للقادة الذين رحلوا، يرحمهم الله، باننا على العهد ماضون، فتأسيس المجلس واستمراره غاية نبيلة لكونه نقلة نوعية في تاريخ العمل العربي المشترك ولبنة قوية لشعوب دول الخليج.
فالتجربة الخليجية مختلفة وستبقى مختلفة ومتميزة وصامدة، كما وصفها أمناء المجلس السابقون والحالي، ومستمرة كما أراد لها قادة دول “مجلس التعاون” السابقون والحاليون، ولقاءات مسقط السلام المتعددة وما تضمنتها من كلمات وترحيب ولقاءات جسدت طموح المواطن الخليجي الذي يتطلع بعين ثاقبة وواقعية للمستقبل بمزيد من التسهيلات والإجراءات والتصديقات والاتفاقيات التي تقرب بين الشعوب الخليجية وتقرب المسافة بينهم.
فلولا جهود قادة المجلس وحكمتهم لحدثت أمور كثيرة، وللمحافظة على المنظومة، وتحصينها فان الامر يتطلب من القادة، دون استثناء، التحرك للوصول الى حلول ترضي كل الأطراف بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت، او من كان سببها، أو الظروف التي صاحبتها، لأننا في حاجة ماسة للنظر الى الامام وتجاوز ما حدث.
فحل أي خلاف يتطلّب تنازلات حتى نصل للتعافي الكامل من المشكلة، وعلينا ان نتخذ من الاتحاد الأوروبي درسا في وحدتهم واهدافهم وتطلعاتهم، وكيف تخلت بعض الدول الأوروبية عن امور مهمة لتحقيق مصلحة أشمل لدولهم داخليا وخارجيا.
اليوم، وما يمر به العالم والمنطقة والأوضاع المحيطة بنا من تقلبات وازمات وتحديات اقتصادية ومالية وحروب، وظهور حكومات يمينية في بعض دول الغرب وغيرها، يفترض منا كدول “مجلس التعاون” التحرك لإزالة الخلافات والمعوقات وتركها جانبا وحلها تدريجيا، لكي يبقى المجلس بمنأى عنها، ولا يتأثر بها أو تتعطل آلية انعقاده، أيضا الإسراع في تشكيل لجنة دائمة تتعلق بحل الازمات والاتفاقيات العالقة بيننا، التي لم تر النور بعد لتجاوز الماضي، فبقاء الوضع على ماهو عليه من دون علاج لا يصبّ في مصلحة دول”التعاون” إطلاقا.
فعلاقاتنا الخليجية تستند إلى مبادئ عقلانية مدروسة بحكمة أقرها النظام الأساسي للمجلس، وفي مقدمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول، والالتزام بقواعد حسن الجوار، وكل بيت او كيان يمر أحيانا بانتكاسه او عاصفة، وهو ما يظهر في النهاية مدى قوة هذا البيت في تجاوز مشكلاته وتحدياته، وبما ان هذا البيت الخليجي كتب له النجاح والاستمرار، فلن يتزعزع او ينهار مهما حدث، كما حدث لتجارب عربية اخرى.
ان انعقاد القمة بحد ذاته مكسب ونجاح للمجلس، لذا نأمل من قادتنا العظام واولياء امورنا، الذين نكن لهم جميعا الحب والاحترام طيء صفحة الازمة الخليجية وفتح صفحة جديدة، فتعالوا إلى كلمة سواء لحل مشكلاتنا التي لا يمكن حلها من الخارج، وإصلاح ذات البين هو هدفنا وترميم البيت الخليجي ضرورة حتمية لشعوبنا الخليجية. والقرارات التاريخية لا تصدر إلا من الرجال العظام.
ومن هنا فاننا ندرك أهمية ما خلصت اليه قمة الرياض فهي الفيصل والقرار والوفاء، والإسراع بتكليف لجنة لفض النزاعات كما دعا لها امير الكويت، والاتفاق على مواجهة كل التحديات الإقليمية والدولية والحفاظ على هذا التجمع الخليجي، وبحث مبادرة الرئيس الإيراني”هرمز السلام”، لذا نحن اننا متفائلون بما هو قادم، وسيظل خليجنا خير وسلام، بعون من الله وحكمة قادتنا أصحاب الجلالة والسمو. والله من وراء القصد.

كاتب عماني

You might also like