كيف نحارب الفساد؟

0 194

أحمد الدواس

كان ” الشليتي” أو ” الشلايتي” موظفاً معيناً من قبل الحكومة في عهد الدولة العثمانية مهمته مراقبة الأسعارفي السوق، والتأكد من عدم التلاعب بها من قبل التجار. وعندما بدأ هذا الشليتي بأخذ الرشاوى من التجار وغض البصر عن التلاعب بالأسعار، عينت الحكومة موظفاً جديداً سمته ” السرسري”،ومهمته مراقبة الشليتية والتأكد من قيامهم بعملهم الصحيح، ولكن العدوى انتقلت للسرسري، وبدأ بأخذ الرشاوى أيضا، وأصبح المصطلحان يطلقان على الفاسدين، وحُـرفا بمرور الزمن. ويقال ان رجل أعمال في أحد البلدان لديه ثروة رشّ مبلغا من المال بالسُم القاتل وتبرع به للجمعية الخيرية في بلده فمات محافظ المدينة و 30نائباً و ثمانية وزراء وعشرة وكلاء وعشرون مديرا وزوجة المدير العام، ولم يُصب أحد من المحتاجين بأذى.
الفساد في الإدارة الحكومية تعاني منه كثير من دول العالم المعاصر، الفقيرة والغنية على السواء. وقد ذكرنا أمثلة مبسطة عن الفساد، مثل البائع الهندي الذي يدخل سوق القرية بعربته ليبيع الخضار فيدفع للشرطي رشوة حتى يسمح له بالبيع، وفي أفريقيا كان سائق سيارة الأجرة يعبر جسراً فيدفع رسم عبور للحكومة فرأى ان يدفع مرة واحدة مبلغاً من المال للشرطي حتى يتنقل جيئةً وذهابا أكثر من مرة، وهكذا، فمعنى الفساد استغلال الأشخاص وظائفهم من أجل الكسب المادي، كالشلايتي والسرسري واستغلال المسؤولين لمناصبهم والشرطي للحصول على مال لايستحقونه.
قال أفلاطون: الصالح لا يحتاج إلى القوانين لتخبره كيف يتصرف بمسؤولية، أما الفاسد فسيجد دائما طريقة ما للاحتيال على القوانين. ويقول نيلسون مانديلا: لا يدافع عن الفاسد إلا الفاسد، ولا يدافع عن الساقط إلا الساقط، ولا يدافع عن الحرية إلا الأحرار، ولا يدافع عن الثورة إلا الأبطال، وكل شخص فينا يعلم تماماً عن ماذا يدافع.
ويقول سقراط: التربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه.
يجب على المنزل ان يربي الطفل على الأخلاق، فإن فعل سلوكاً خطأ، فيجب على الوالدّين ان يقولا له:هذا خطأ، حالما يكسر القواعد الأخلاقية، وإلا فإن الطفل لن يُفرق بين الصواب والخطأ. والفساد لايولد مع المرء بل عندما لايجد المسؤول أحداً يقف في وجهه ويقول له:توقف،لاتفعل ذلك.
يقول مسؤول آسيوي بارز: إذا أردت أن تحارب الفساد في المجتمع، فإن أفضل طريقة لفعل ذلك معاقبة المسؤولين الكبار في المناصب الحكومية، فقد ذهب وزير سنغافوري في إجازة لكنه أخذ عائلته معه، وبالطبع سينفق عليها من أموال الدولة، ولماعاد تم القبض عليه وتمت محاكمته وأودع السجن، بعد ذلك لم يظهر فساد في سنغافورة أو تضاءل حجمه فلايكاد يُذكر، لأن القبض على هذا الوزير كان إشارة قوية ضد من هم بالمناصب العليا.
الكويت هي الأكثر فساداً خليجياً، ففي 13 ديسمبر 2013 ظهر نشر في الصحف المحلية مفاده ان الكويت خسرت 25 مليار دولار خلال 10 سنوات بسبب الاحتيال والرشاوى والعمولات. تلاه خبر آخر يقول: مبالغ العلاج في الخارج بلغت مليار دينار ( نحو 3 مليارات دولار) وفي مارس 2018 نشر خبر ثالث بالصحف المحلية حول وجود 42 ألف قضية للمال العام، مايعني إغراق القضاء والنيابة وأجهزة الرقابة بأعباء لا يمكن احتمالها،فلا يمكن تحت هذا الضغط تحقيق نتائج مرضية من ورائها، ولاشك ان خسائر المال العام الآن أكبر مما مضى.
الفساد بالكويت دليل على تدهور الأخلاق بمجتمعنا، وان الكثيرين يضربون بالمبادئ الأخلاقية عرض الحائط، وهو تقصير من جانب المنزل ووزارتي التربية والأوقاف. لماذا لاتستعين الكويت بتجربة هونغ كونغ؟ ففي العام 1974 أنشأت هونغ كونغ هيئة قوية لمكافحة الفساد مع جهاز جيد للشرطة، حاكمت 12 ألف موظف حكومي، وكانت النتيجة ان تبوأت هونغ كونغ مرتبةً عالية من النـزاهة لدى المجتمع الدولي.

You might also like