ماذا يرى النرجسيون في المرآة ؟

0 210

ترجمة- أحمد عبدالعزيز:

لا شك أن المرايا مهمة، بل ضرورية من أجل نمونا النفسي. والسؤال: ماذا عن النرجسيين؟ غالبا ما يتم تصوير النرجسي وهو ينظر إلى نفسه بخيلاء في المرآة، فالنرجسية مستمدة من الأساطير الإغريقية التي تصور الشاب نرجس الذي يقع في حب صورته الخاصة به و التي تنعكس على صفحة الماء.
إنها مرآة خاصة به . وإذا كنا نعتقد أن النساء هم أكثر ولعا بالمرايا عن الرجال فقد يصدمنا أن نعرف أن معدلات النرجسية أعلى بين الرجال أكثر من النساء. ولكن هل إذا نظر المرء إلى نفسه أو ميزها أو حتى افتتن بها هل هذا يؤكد نرجسيته ؟
استنادا إلى البحوث ، فإن الجواب العام هو لا.
يخبرنا أحد هذه الأبحاث أن الصلة بين النرجسية والمرايا والتركيز الذاتي والجاذبية الجسدية أموراً معقدة – ومثيرة للدهشة:
أولاً ، من المهم أن نعرف أن الجميع يظنون أنهم أكثر جاذبية عن الحقيقة! ويظهر العديد من دراسات علم النفس أن استنتاجات الناس حول سماتهم وقدراتهم غالباً ما تكون زائدة عن الحد. أي أننا نؤمن عمومًا بأننا أكثر ذكاءً وجاذبيةً مما نحن عليه حقًا. وتظهر بعض التجارب أيضًا أن هذا التحسين يمتد إلى الأشخاص الذين يدركون أن وجوههم جذابة أكثر مما هي عليه بالفعل. في إحدى التجارب تم تحوير صور الوجوه بشكل أكثر جاذبية وبشكل أيضا أقل جاذبية من خلال إجراء بعض التحوير على الأشكال. ثم عرضت الصور على أشخاص البحث وطُلب منهم اختيار الصورة التي تمثل وجوههم الفعلية. وكانت الإجابات أكثر احتمالا للتعرف على النسخة المحسنة للوجه بشكل جذاب باعتبارها وجوههم الحقيقية ، وكان تحديد النسخة المحسنة بسرعة أكبر . مما يؤكد أن التحيز التحليلي عملية تلقائية أكثر من كونها عملية إدراكية مدروسة وواعية.
ثانيا ، ترتبط الجاذبية الجسدية بشكل إيجابي بالتحديق في المرآة. في إحدى الدراسات، شعرت النساء اللواتي أبلغن عن رضائهن عن مظهرهن قبل التحديق في المرآة ، أنهن أكثر جاذبية ورضا بعد أن حدقن في صورهن المنعكسة على المرآة. وفي دراسة ميدانية مثيرة للاهتمام ، تمت ملاحظة النساء والرجال وهم يمرون أمام قسم به زجاج عاكس وكان بمثابة مرآة. تم تسجيل مقدار الوقت الذي يقضيه كل شخص يحدق في صورته الخاصة. كما تم تصنيف الجاذبية البدنية لكل مشارك بشكل منفصل من قبل المراقبين للتجربة. بالنسبة للإناث والذكور على حد سواء ، فإن الوقت الذي يقضيه أمام المرآة يرتبط إيجابيا بجاذبيتهم الجسدية.
ثالثًا ، يعتبر النرجسيون أكثر جاذبية من الأشخاص العاديين . أظهر تحليل إحصائي لما يقرب من 50 دراسة مختلفة شارك فيها أكثر من ألف مشارك في البحث وجود علاقة إيجابية صغيرة لكنها موثوقة بين النرجسية والجاذبية البدنية. واستندت الدراسات إلى تقييم المراقبين للجاذبية (وليس تصنيف النرجسيين أنفسهم). لذا كان مقياس الجاذبية البدنية أقل انحيازًا.
من السهل أن نتخيل لماذا يجعل النرجسيون أنفسهم أكثر جاذبية ، ولكن لماذا يبدو أنهم أكثر جاذبية للآخرين أيضًا؟
النرجسيون يستمتعون بالنظر إلى أنفسهم في المرآة. وقد يقضون المزيد من الوقت في إعداد أنفسهم والاستعداد لتعزيز صورتهم الذاتية الرائعة. وبهذه الطريقة قد يكون النرجسيون أكثر ميلاً إلى الموضوعية مع الذات ، والتعرف على قيمتهم الذاتية على أساس مظهرهم الخارجي ، بدلاً من شخصيتهم.
أخيراً ، السمة المميزة للنرجسية هي الافتقار إلى التعاطف والمشاركة الوجدانية . لقد وجد في العديد من التجارب والملاحظات الإكلينيكية أن النرجسيين يمتلكون منظورًا ذاتيًا يمنعهم من إدراك عواطف الآخرين أو التعاطف معهم. كما تظهر الدراسات أن الأشخاص النرجسيين لديهم عجز في التعاطف أو المشاركة العاطفية أو الانجذاب لمشاعر الآخرين وفهم انفعالاتهم .
ما الذي يحدث في دماغ النرجسي ليكون مختلفاً عنا ؟
التعاطف هو عملية تنطوي على المشاركة والتخيل وفهم مشاعر الآخرين. ويؤكد لنا علم الأعصاب أن بنية الدماغ الأساسية المشاركة في توصيل هذه العناصر الخاصة بالتعاطف هي ما يسمى الإنسولا insula الأمامية والموجودة في القشرة الحزامية الأمامية ، وهذه المناطق هي الشبكة التي تحدد وتنسق تدفق المعلومات. خاصة ما يتصل بها بعمليات التعاطف الوجداني . وتشير دراسات تصوير الدماغ الأخيرة إلى أن عجز النرجسيين في التعاطف يرجع إلى خلل وظيفي في المنطقة الأمامية. مما يجعل النرجسيين لا يستطيعون التوقف عن التفكير في أنفسهم. وهو بطبيعة الحال ما يعيق قدرتهم على تبادل وفهم مشاعر الآخرين.
ومن المثير للاهتمام أن هذا النقص في التعاطف بين الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية يعتبر عادة نتيجة لعدم الاستعداد المتعمد للتعبير عن مشاعر واحتياجات الآخرين.
وتشير أبحاث أخرى إلى أن النرجسيين قد لا يكونون متعمدين أو متعمدين دون قصد ، ولكنهم ببساطة أقل قدرة على التعرف على مشاعر الآخرين وفهمها. إن القدرة على التعرف على العواطف من خلال تعبيرات الوجه هي مهارة هامة مطلوبة للتعاطف والمشاركة الوجدانية .
ففي الدراسات التي استخدمت اختبارًا كلاسيكيًا للتعرُّف على تعبيرات الوجه من خوف وغضب واشمئزاز وفرح وحزن، وفهم تلك التعبيرات ، أظهر النرجسيون عجزًا في التعرف على تلك المشاعر ، لا سيما مشاعر الخوف والغضب. وهذا الميل للنرجسيين قد يعوقهم عن التعاطف مع الآخرين. وفي تجارب أخرى ظهر أن النرجسيين يواجهون صعوبة في إيقاف تركيزهم على الذات. ولديهم صعوبة في تعديل الإثارة العاطفية الخاصة بهم بسبب وجود الإنسولاinsula الأمامية التي تحد من قدرتهم على إيقاف التركيز الذاتي ، ويبدو أن هذه هي أسباب صعوبة تعاطفهم مع الآخرين أو الاستجابة لهم.
من المثير للاهتمام أن المرايا تساعدنا في التعرف على عواطفنا ونراقبها. وعندما نعتقد أننا شاهدنا شخصًا نرجسيًا فقد يكون هناك المزيد من الأحداث أكثر مما نراه بعيوننا !

You might also like