مالية الدولة … بقرة حلوب

0 351

أحمد عبد العزيز الجارالله

أثبت عرض وزير المالية الخطوط العريضة للميزانية الجديدة أن الدولة بقرة حلوب، فحين يكون 71 ٪ منها للرواتب والدعوم، فإن ذلك يعني عدم وجود خطة تنموية واضحة وواقعية، إذ كيف لدولة تنفق هذه النسبة الكبيرة من ميزانيتها على الرواتب أن تنفذ مشاريع، لم تخصص إلا نسبة ضئيلة من المال لها؟
هذا التضخم في بند الرواتب والدعوم تسببت به التدخلات النيابية في التوظيف، والمزايدة بين بعض النواب في الدفع بقوانين تزيد من الإنفاق غير المنتج سعياً لشراء ولاءات انتخابية، فيما كان عليهم التفرغ لإقرار القوانين الجاذبة للاستثمارات، والمحفزة لزيادة مساهمة المواطنين في القطاع الخاص، من خلال الانخراط في وظائف ومهن كثيرة يعمل فيها الوافدون، بينما الأولى بها أبناء البلد.
في بعض الدول المجاورة فرضت الحكومات الإحلال في شتى القطاعات، وقدمت حوافز للمواطنين العاملين في القطاع الخاص، منها تجارة التجزئة والخضار والمواد الغذائية، وغيرها الكثير من النشاطات التجارية التي لو عمل فيها المواطن، فإنه سيساعد على خفض الأعباء الكبيرة عن الدولة، إضافة الى أن الأموال ستبقى في البلاد ولن تحول الى الخارج.
كل الحكومات المتعاقبة منذ عقدين إلى اليوم لم تقدم تصوراً متكاملاً لخطة تنمية واقعية قادرة على تنفيذها من دون عراقيل، ففي كل برامجها لا نسمع سوى عبارات التسويف حتى اتخمنا وعوداً بينما نرى المشاريع الكبرى تضيع عليها جراء مناكفات نيابية، أو بسبب خلافات على الحصص.
لا يمكن إصلاح الخلل الكبير في الميزانية إلا من خلال تشجيع القطاع الخاص على استيعاب المواطنين، لينخرط هؤلاء بالمهن كافة، إضافة إلى أن تتحول الدولة مشرفاً وليس مديراً، في البنية التحتية والماء والكهرباء التي يمكن أن تتحول شركة مساهمة يشارك فيها المواطنون كافة، وعندها لن تكون هناك أزمة عدم تسديد فواتير، وإذا ارتفعت أسعار الكهرباء أو الماء فلن يعترض المواطن، كذلك هناك قطاعات عدة في الصحة والإعلام وغيرها من الوزارات يمكن خصخصتها وتخفيف الأعباء التي تتحملها المالية العامة جراء الإنفاق على هذه القطاعات.
يكلف الدعم الدولة سنويا 5.5 مليار دينار، فيما السلع المدعومة تباع في السوق السوداء ولا يستفيد منها المواطن في شيء، لذلك آن الأوان لكي توقف الدولة الدعم، وإذا كان هناك من يحتاجه فلترفع راتبه، وهي لا شك ستوفر نحو أربعة مليارات دينار، حتى الرعاية السكنية يمكن أن يكون هناك تخطيط عقلاني، إذ بدلا من قطع الأرض والفلل التي تبنى يمكن توزيع شقق على الشباب المتزوج حديثاً كما يحدث في العديد من الدول.
ما تتعرض له المالية العامة من هدر لا يبشر بخير أبداً، ويجعل المستقبل حالك السواد إذا استمرت الحال على هذا النحو من الإنفاق الريعي العبثي والخضوع لرغبات نواب لا هم لهم إلا الصرف من جيب الدولة والاجيال القادمة لإشباع نزوة البقاء في المقعد البرلماني أطول فترة ممكنة.

You might also like