ما أشبه اليوم بالبارحة يا سمو الأمير!

0 447

الكويتيون يستذكرون ما قاله الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد لأحمد السعدون عام 86: “أخبر أعضاء المجلس أن لا يحدِّوني أن أفعل ما أكره”

‬ المواطنون ينتظرون بارقة أمل تخرجهم من الحال الكئيبة التي يعيشونها نتيجة الاستبداد والرعونة النيابية في مقاربة همومهم وقضايا الوطن

لا يجدُ المرءُ تشبيهاً للحال التي نحن عليها اليوم في الكويت غير القول: ما أشبه اليوم بالبارحة! ففي مثل هذه الايام من عام 1986، عصفت بالبلاد أزمة استجوابات لمجموعة من الوزراء، وكان الشغل الشاغل لمجلس الأمة يومها المساءلات الدستورية فقط، وعدم الإفساح في المجال للتشريع والنظر إلى وضع البلاد الذي كان يئن تحت وطأة أزمة سوق المناخ وما تركته من آثار اقتصادية غاية في التعقيد، إضافة إلى وضع إقليمي متفجر على الجبهة العراقية- الإيرانية، والتضعضع العربي، والتهديدات التي كانت تحيق بالكويت.
يومها وبدلاً من أن يُعمل النواب لغة العقل وينظروا إلى واقع بلدهم، عمدوا إلى تسويف الوقت بالمناكفات السياسية، وهو ما جعل الكويتيين يتساءلون عما تخبئه الايام لهم نتيجة الرعونة النيابية في التعاطي مع الأمور.
يومذاك، استدعى أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، رئيس مجلس الأمة، أحمد السعدون وقال له: “أخبر أعضاء المجلس أن لا يحدوني على أن أفعل ما أكره”.
نقل السعدون الرسالة إلى النواب الذين استمروا في ألاعيبهم السياسية غير عابئين بالوضع الحساس الذي تمر فيه البلاد والمنطقة، ما أدى بعد أسابيع الى صدور أمر أميري بحل مجلس الامة، وتعليق العمل ببعض مواد الدستور، تحت عنوان “التأمل من اجل مستقبل أفضل”، وهو ما اعتبروه حلا غير دستوري.
مع ذلك استمرت مغامرات الطيش السياسي، مدفوعة بالحماسة التي سادت العالم العربي يومها، وشعارات القومية العربية ومحاربة الرجعية، وتثبيت الديمقراطية وغيرها… مما اعتاده العرب في خطابهم السياسي اليومي الذي لم يتغير منذ قرن كامل، وعرفت الكويت ديوانيات الاثنين، لكن في تلك المرحلة انتظمت الحياة، حتى المرور، لأن الجميع أدرك جدية الاجراءات التي اتخذت، وشعروا أنه “موسى على كل الرؤوس”.
يومذاك ارتكبت الحكومة خطأ واحدا، وهو أنها لم تهتم بالتنمية وتطوير البنية التحتية كما ينبغي، ربما لعدم وجود الخطط أو الأموال الكافية.
الجميع يعرف أن تلك المرحلة انتهت إلى إعلان تشكيل المجلس الوطني في الثاني والعشرين من أبريل عام 1990، أي قبل 29 سنة بالتمام والكمال من اليوم، ورغم هذا استمرت الحال غير مستقرة حتى الثاني من أغسطس عام 1990 حين استغل صدام حسين الوضع الداخلي غير المستقر سياسياً وغزا البلاد.
هذه الحقائق لا شك ماثلة في ذاكرة كل كويتي يرى ما يجري حاليا في مجلس الأمة من مناكفات وعرقلة لمشاريع، وتعطيل متعمد للتشريع، واتهامات عن فساد وفاسدين، وحرامية، وسراق المال العام، ومس بالكرامات، والتهويل، ومصادرة قوى سياسية معينة لحريات الناس تحت شعارات العادات والتقاليد والشريعة، وغيرها… مما ألفه الكويتيون من اتهامات تستعاد في كل مناسبة، وكأن الذين يطلقونها هم الأبرار الأتقياء الأنقياء، فيما الحقيقة عكس ذلك تماما، والجميع يعرف لماذا كل هذا اللغو وما هي الدوافع إليه، ومن يُحرِّك تلك الدمى من خلف ستار كثيف من المصالح الخاصة.
في الواقع الإقليمي الوضع حاليا أخطر بكثير مما كان عليه في الثمانينات، فإذا كانت نيران الحرب العراقية- الإيرانية قد همدت في العلن، إلا أن هناك عدوا ما زال يسعى إلى إشعال أخرى مذهبية، أين منها تلك الحرب، ويتربص بالجميع كي يحقق أهدافه التوسعية، فيما الجماعات الارهابية أصبحت اكثر قوة وأوسع انتشارا، وتستخدم الشعارات الدينية التي هي الوقود الأكثر إشعالا للحماسة بين الناس، بينما الوضع الاقتصادي المحلي يعاني من انكماش لم يسبق أن شهده في أي مرحلة سابقة، والوضع الدولي ضاغط إلى حد الاختناق بين القوى الكبرى الباحثة عن مواطئ أقدام لها في كل مكان من هذا العالم كي تزيد من فرصها في السيطرة.
ورغم كل هذا وذاك، يزدحم جدول مجلس الأمة بالاستجوابات التي لم تهدأ منذ بداية الفصل التشريعي الحالي، أما العمل البرلماني الحقيقي فمعطل، فيما المواطنون ينتظرون بارقة أمل تخرجهم من الحال الكئيبة التي يعيشونها بسبب تعطل التنمية التي أصبحت مطلباً مُلحاً، على العكس مما كانت عليه الحال في الثمانينات، وهم أيضا يرون أن من انتخبوهم تحولوا ديكتاتورية تسعى إلى الاستحواذ على كل شيء، فيما لا تعير بالاً لهؤلاء الذين انتخبوهم، فهناك سوء في البنية التحتية، وترد ونهب في الخدمات الصحية وقطاع التربية والتعليم، وأزمة مالية، ولا توجد مشاريع في البلاد يمكن التعويل عليها، وحتى تلك المقترحة يشن عليها المتضررون والحاسدون حرب داحس والغبراء، فيما النواب في عالم آخر يتاجرون بمشاعر الناس ومصالحهم.
في ضوء هذا الوضع المتردي، يطرح السؤال نفسه من جديد: هل ستتكرر تجربة عام 1986؟ وهل سيقول صاحب القرار للنواب كما قال الشيخ جابر الأحمد: لا تحدوني على أن أفعل ما أكره”، وتكون فترة للتأمل يُعاد فيها البناء على أرض صلبة، وتنطلق عجلة التنمية، فينشغل الكويتيون بما يفيد البلاد عن الجعجعة الشعاراتية التي لم تُطعمهم خبزاً في يوم من الأيام؟
إن غداً لناظره قريب.

أحمد الجارالله

You might also like