محمد بن راشد من برسبولس إلى دبي… هكذا يترجم الحاكم أحلام شعبه

0 63

“خمسون قصة في خمسين عاما”، وكل قصة فيها عبرة، هذه هي قصص محمد بن راشد التي تضيء جوانب مهمة من ممارسة القيادة وهم التنمية.
في هذا الكتاب قرأت قصة الاحتفال الاسطوري الذي نظمه الشاه في العام 1971، وكيف عقد حاكم دبي الحالي المقارنة بين أسلوب والده في الحكم وأسلوب ملك الملوك، مستندا إلى حقيقة أثبتتها السنون، وهي أنه عندما يكون التواضع والقرب من الناس هو اسلوب الحكم، تتحول الدول الصغيرة بالمساحة وقلة عدد السكان قوة فاعلة في العالم، وعندما يقوم الحكم على الابتعاد عن الشعب والتكبر عليه والانعزال عنه، ينهار مهما كبرت عظمة الذات في عين الحاكم.
على هذا الأساس يبني الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المقارنة بين ما شاهده عندما كان عمره 11 عاما في الاحتفال الباذخ بذكرى مرور 2500 سنة على انشاء مملكة فارس الذي أقيم في مدينة برسبولس الأثرية الإيرانية في العام 1971، وكيف توج محمد رضا بهلوي نفسه ملك الملوك، وبين دبي في بدايات حكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وأين اصبحت تلك الدولة الكبيرة، وما هي دبي، ومعها بقية الإمارات العربية المتحدة اليوم.
في هذا يقول:” أقيم احتفال باذخ ونصبت خيم ملكية، ودعي اليه الملوك والرؤساء والأمراء، وقدم لنا الطعام بأوان فخمة، وكان صدور طواويس، ويومها لم أتخيل أن والدي يمكن أن يضع على رأسه تاجا مطعما بالجواهر الثمينة، ويعلن نفسه ملك الملوك”.
ويكمل ابن دبي الاماراتي: “كان مكتب والدي المتواضع في زاوية من ميناء دبي، يشرف على العمل مباشرة، وكان الزائر يعتقده أحد الموظفين، ومديرو المشاريع يطلقون عليه الـ”فورمن” (مراقب العمال) لأنه كان يجول عليهم يوميا، يتابع أعمالهم،ويلتقي الناس، وشاهدت في ايران هذا البذخ الاسطوري، فيما في الطريق الى الاحتفال كانت هناك عشرات القرى الفقيرة البائسة، صورتان متناقضتان، شاهدت لمحة عن ملك الملوك وابتعاده الشديد عن شعبه وانعزاله بقصوره الضخمة”.
ويضيف: “أكبر درس في الحياة هو المقارنة بين أسلوب الشاه في الحكم وبين الحكم في الإمارات، رغم الفارق الكبير بين البلدين. هناك تناقض صارخ في الحياتين، والسر في القرب من الناس، تمنيت لو نظر الشاه حوله، وتعلم من الآخرين، ففي 20 عاما أسقطت عروش، أزاح الجيش المصري الملك فاروق، وقتل الملك فيصل في العراق، وخلع الامام محمد البدر في اليمن، وخلع الملك ادريس في ليبيا، تغييرات سريعة مرت بها الشعوب لم ينتبه لها ملك الملوك معتمدا على الحماية البريطانية والأميركية، وليس على دعم شعبه وتأييد الناس له، لأنه كان مشغولاً عنهم بقصوره”.
في هذه المقارنة درس بين من يبني بالتواضع والاستماع إلى هموم الناس وأحلامهم دولة الأمن والأمان والازدهار، ويجعلها تمضي في طريقها إلى المجد، وبين من يهدم الدول الكبرى بالعزلة والتقوقع خلف جدران القصور العالية.
في هذه القصة يروي محمد بن راشد، كيف تحول الثوار ملوكا، وساروا على نهج من خلعوهم وأسقطوهم، متخفين هذه المرة خلف شعارات الثورة، كي يمعنوا أكثر في تجويع وقمع شعوبهم، وتخلف دولهم، لذا لم يختلف الوضع في ايران عما كان عليه أيام الشاه، حين أصبح الملالي هم الملوك، لكن الفقر ازداد أكثر، واتسعت العزلة لتصبح دولية، حين أخذ الغرور الطاووسي النظام الكهنوتي الى حيث يتوهم قدرته على حكم العالم.
في العراق واليمن وليبيا، وبقية الدول التي سقطت ضحية الانقلابات والثورات، تخلفت الشعوب بسبب التضييق الممارس عليها من أنظمتها، تماما كما هي الحال في ايران اليوم، التي تبدو للعالم انها مصابة بطاعون الارهاب، لهذا يقول محمد بن راشد:” في العام 2004، قلت لهم، جئتم بثورات لشعوبكم، فأكملوها بالاقتصاد والتعمير وتوفير الحياة الكريمة لهم، أرجوكم تغيروا وإلا سوف تغيرون، للاسف لم يستمعوا حتى غرقت دولهم بثورات وفوضى وحروب لم تؤد إلا الى مزيد من الخراب”.
ليس المهم أن ترفع شعاراً، إنما الأهم ان تعمل كي يتحدث الشعار عن نفسه، هذا ما فعله قادة إلامارات العربية المتحدة، التي يقوم الحكم فيها على الأبواب المفتوحة والتواصل المستمر بين الحاكم والمحكوم، فالحاكم في نهاية المطاف هو من هذا الشعب، كلما اقترب منه ازداد قوة ورفعة، وكلما ابتعد أصبح الخطر عليه أكبر.
حين يسأل محمد بن راشد في نهاية هذه القصة عن موقع كل من المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد في قلوب شعبهما، وعن موقع ملك الملوك في التاريخ، فإن الإجابة تأتي من الواقع، من مشاهدات الناس، وأسلوب حياتهم… من الرضا الذي يعمهم، والنقمة التي تحرك حاليا شعوب الدول المبتلية بأنظمة استترت بالثورية، أو بالأبهة والعظمة، وابتعدت عن محيطها الطبيعي، فأمست حكايتها صفحات سوداء في التاريخ، بينما تلك التي كانت صغيرة، تكافح بقوة من أجل التغلب على شظف العيش والطبيعة المناخية، تحولت بعزيمتها وصدق قادتها وتواضعهم، من أكثر الدول رسوخا ونهضة وتنمية، ومثالاً على التقدم والتطور.
محمد بن راشد، وبلا ألقاب، عمَّم هذه القصص على ملوك الأرض وقادة العرب، خدمة للشعوب.

أحمد الجارالله

You might also like