نار الثورة لن تَخْفُتَ في لبنان

0 206

أحمد عبد العزيز الجارالله

… وفي اليوم السابع اشتدَّ عود الانتفاضة اللبنانية ودخلت مرحلة الرشد كثورة حقيقية لا يمكن لأي كان، مهما هدد بالفوضى، أن يثني نحو 2.8 مليون مواطن في الشارع عن موقفهم، لذلك لم تنفع محاولات فتح الطرق بالقوة عبر الجيش الذي وجد نفسه في مواجهة أهله، فحاول بالتي هي أحسن، لكنه انصاع أخيراً إلى الإرادة الشعبية، كي يبقى الاحتجاج على زخمه.
أمس سقطت رهانات البعض على أن هذه الانتفاضة يمكن أن تخفت نارها مع الأيام، وأن تفعل خطة الإصلاحات التي أعلنتها الحكومة فعلها في تخدير اللبنانيين، الذين زادوا من رفضهم لأي مساحيق تجميل للحكم المهترئ والممسوك من «حزب الله»، كي لا يقع اللبنانيون في فخ التسويف والمماطلة فتذهب ريحهم سدى، وعلى هذا الاساس ينظر المراقبون إلى بيان القمة المسيحية في بكركي أنه بداية العد التنازلي للعهد الحالي، فمن يعرف طبيعة التركيبة اللبنانية يدرك جيدا ماذا يعني هذا الموقف المنحاز إلى الشعب.
قليلة هي المرات التي تتدخل فيها المرجعيات الدينية في الشؤون السياسية، وخصوصا المسيحية منها، لكن حين تعلن موقفها يصبح في العرف اللبناني أقرب إلى «الحرم الكنسي»، وهو ما كانت عليه حين أعلنت في العام 2000 موقفها الحازم في وجه السلطة حينها، ما أسس لـ»ثورة الأرز» التي مهدت لسلسلة من الإجراءات توجت أخيراً بخروج الجيش السوري من لبنان.
هذه الحقائق باتت اليوم أمام السلطة، التي يبدو إنها لم تقرأ جيداً مفاعيل ثورات مصر في العام 2013، والجزائر والسودان العام الحالي، وكيف انتهت إلى إلقاء القبض على مرسي الذي مات أثناء المحاكمة، والزج بالبشير في السجن، فيما الثوار الجزائريون أنهوا حكم بوتفليقة الذي استمر 15 سنة في 15 يوماً من الاحتجاج، وبدأت الجزائر تستعيد عافيتها وتتجه إلى حكم متعدد، وليس محتكراً من فئة معينة.
اللبنانيون الذين ثاروا على نظام المحاصصة الطائفية لن يخرجوا من الساحات إلا وقد حققوا مطالبهم، وهي إسقاط الطغمة السياسية التي تحكمت بكل شؤون حياتهم، وفي الوقت ذاته لم يعودوا بعيداً عن مراقبة المجتمع الدولي بعدما كثرت الأصوات المؤيدة لهم، والتحذير من مغبة قمع ثورتهم بالقوة، كي لا تذهب الأمور إلى وضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذه خطوة لها ما لها، ويدرك تحالف السلطة معناها جيداً.
ممّا نشاهده يوميا عبر شاشات محطات التلفزة اللبنانية والعالمية نرى أن هناك ثورة مختلفة بكل المقاييس، فهي ليست فورة أولاد، أو كما يحاول أن يصورها نصرالله وعون وباسيل وبري مؤامرة على «تحالف الممانعة»، انما هي ثورة شعبية عابرة للطوائف والمذاهب والأحزاب، ويبدو واضحاً أن ثقة اللبنانيين بالجميع مفقودة، فلهذا يطردون أي نائب أو مسؤول يحاول ركوب موجة احتجاجاتهم.
اللبنانيون خرجوا من القمقم، ولن يعودوا إليه مرة أخرى، ولذلك على كل الطبقة السياسية في بيروت مراقبة ما يجري في الشارع والاستماع بتمعن إلى ما يقوله، لأن الوقت يضيق أمامها، فيما يبدو أن أبواب السجون ستفتح قريباً لها، وعندها لن ينفع «حزب الله» و»حركة أمل» تهديد الناس بالسلاح والزعران لأنَّ قادة هذه الميليشيات سيكونون في عداد المساجين.

You might also like