نداء أبوعلي: الكتابة شغفي…إنها ملاذي في هذا العالم المشهد الثقافي والأدبي في السعودية يشهد انفتاحاً ونضجاً أدبياً

0 147

القاهرة – السيد حسين:

تؤكد الروائية والكاتبة السعودية نداء أبو علي أن الكتابة شغفها، وتستمتع بالكتابة ولا تجدها متعبة، وهي وسيلة للتعبير والبوح وابتكار فضاء وعوالم مختلفة. وتتعبها حالة اللاكتابة أكثر حين تنفد الأفكارأو تجف مصادر الإلهام لفترة مؤقتة. وتضيف أنها لا تضع في الحسبان المحاذير أثناء الكتابة، لأن ذلك يكبح من قدرتها على التوصيف وحياكة الشخصيات والأحداث.
متى شعرت بالرغبة في الإمساك بالقلم وإيصال فكرة للآخرين؟
شرعت في كتابة أول قصة قصيرة في العاشرة من عمري، باللغة الإنكليزية، وكانت أقرب للفانتازيا، فيما نشرت أول رواية “ومرّت الأيام” وأنا في الخامسة عشرة، تلتها رواية “للقلب وجوه أخرى” في العام ذاته. كنت في طفولتي شخصية خجولة أهرب من عالم الواقع بالقراءة وأفضّل التعبير الكتابي عن التحدّث مع الآخرين.
هل واجهت صعوبات من الأسرة أو المجتمع؟
على العكس، كان هناك دعم وإشادة بلغتي وقدراتي الكتابية. ولا أعتقد أن بإمكان فتاة في عمر صغير أن تنشرمن دون الدعم الأسري. ربما واجه الروائيون أو الروائيات صعوبات في بداية المشهد الروائي في السعودية حين اضطرت بعض الروائيات مثل سميرة بنت الجزيرة العربية للكتابة باسم مستعار في نهاية االخمسينات.
ما قراءتك للمشهد الثقافي والأدبي في المملكة حاليا؟
المشهد الثقافي والأدبي في المملكة يشهد انفتاحاً ونضجاً أدبياً أكثر من السابق نتيجة التحولات في المجتمع وتواصله مع العالم خارج المملكة. وقد حصد عدد من الروائيين والروائيات في السعودية جوائز عالمية، مثل عبد خال ورجاء عالم ومحمد حسن علوان لجائزة البوكر العربية، وأميمة الخميس حصدت جائزة نجيب محفوظ. طبعاً ذلك لا يعني أن الجوائز وحدها هي التي تعكس مدى تمكن الكتاب والروائيين، إلا أنه مؤشر لوصول صوت الأديب أو الروائي السعودي إلى العالم والاحتفاء بقلمه وقدراته.
حدثينا عن روايتك “خراف البرج الزجاجي”.
بدأت كتابة أول فصل منها في “ورشة البوكر الإبداعية” في صحراء أبوظبي. وتطرح الرواية احتباس موظفين أثناء اجتماع عمل في المبنى الذي يعملون فيه نتيجة الاشتباه بوجود خلية إرهابية بمنزل مجاور، لتبدأ الشخصيات بالتصادم وإظهار القلق والتأزم الداخلي لكل منهم.
تقولين عنها: يستنطقها غلاف العمل وعنوانه من خلال رسم يعكس الشخصيات المحورية، كيف ذلك؟
الخراف هم الشخصيات المحتبسة في البرج الزجاجي وهم أشبه بالقطيع المنساق من دون تفرّد بهويّة أو نمط. أما الغلاف فقد عملت مع الفنانة التشكيلية أحلام المشهدي لتطويره، حيث تتعلق الشخصيات بنوافذ وجدران المبنى الزجاجي في محاولة للهروب منه، بنفس التوصيفات الجسدية لهم وإظهار أنماطهم النفسية، فيظهر سامي، المدير القلق بجسده السمين، وميساء ذات الشخصية الحالمة يظهر شعرها متطايراً في الهواء وكأنها مسترسلة في حلم بعيد.

رسالة
ما الرسالة التي أردت إيصالها من خلال الشخصيات المحورية في الرواية؟
تعبّر الشخصيات المحورية عن شرائح المجتمع المختلفة، فعلى سبيل المثال، يمثل خالد الطبقة المتشددة دينياً وغيرالمتقبلة لفكرة تمكين المرأة أو وجودها معه، ويمثل عبدالحق حارس المبنى الطبقة الكادحة والذي يطمح في الدخول إلى المبنى والانخراط مع البقية ويمعن بالشعور بالدونية، فيما ميساء تعبّر عن الطبقة البورجوازية المدلّلة التي لا تعي ما يحدث في واقع حياتها فتصطدم بمحيطها.
هل تنطوي الرواية في المجمل على صرخة المرأة الناقمة على منتقصيها من كل جانب؟
لا أميل إلى الكتابة والتعبير عن صوت المرأة بشكلٍ عام، إلا أن هناك شخصية سهام الناقمة على المجتمع والتي تفضل أن تصبح رجلاً ليحترمها الآخرون، وهي شخصية واحدة من ضمن عدد آخر من الشخصيات لا تمثل الفكرة المحورية لـ”خراف البرج الزجاجي”، العمل بشكلٍ عام يتطرّق إلى وضع المرأة ونظرة المجتمع لها، مثل اضطرارها للعمل في “الدور السفلي” فيما يعمل الرجال في الأدوار العلوية دلالة على رفعة شأنهم، وقد وصفت في إحدى الفصول انهماك الشخصيات على الرغم من الخطر المحدّق بهم بوضع حاجز ما بين الرجال والنساء ليجسّد ذلك الارتباك نتاج القرب الجسدي ما بين الرجال والنساء وعدم اعتيادهم على ذلك.
صدر لك عدد من الأعمال منها رواية “ومرت الأيام”، ورواية “للقلب وجوه أخرى” ورواية “مزامير من ورق” ورواية “ظل ومرآة” حديثنا عنها، وماذا طرأ من تغير علي رحلتك في عالم الأدب؟
أعمالي الأولى تلقّت احتفاء نتيجة صغر سنّي وقت نشرها، إلا أنني لم أمتلك وقتها النضج الكتابي الذي وصلت إليه حالياً، لا سيما أنني مارست كتابة القراءات النقدية والانطباعية عن الأعمال الروائية منذ العام 2012. كما أنني أعدت كتابة عملي الروائي سبع مرات فيما لم أحرص على القيام بذلك مسبقاً.
تقولين: الروائي السعودي لا يكتب حباً مغايراً عن الروائية السعودية لكنه أكثر جرأة،كيف؟
بصفة عامّة الأعمال الروائية السعودية لا تستند على الكتابة عن الهم العاطفي، وهي تميل أكثر إلى القضايا الاجتماعية، هناك عدد من الرواة ممن تفردوا بالكتابة عن الحب مثل عبدالله الجفري ومحمد حسن علوان وأثير النشمي إلا أنهم معدودون ويميل غالبيتهم إلى الكتابة الشاعرية التنفسية أكثر من حبكة روائية تستند على قصة حب ملحمية.
يُقال إن سبب الاهتمام بالرواية السعودية في السنوات الأخيرة تطرقها إلى القضايا المسكوت عنها فما قولك؟
ربما في بداية عام 2000 أو ما قبل عام 2010 شهدت الساحة الأدبية السعودية غزارة في إنتاج الأعمال التي تتحدث عن المسكوت عنه في المجتمع. إلا أن ذلك خفّ وهجه، وبعض الأعمال كان دون المستوى سواء في بناء الرواية أو حتى في مستوى السّرد.
أنتِ كاتبة مقالات في عدد من منصات الصحافة، هل الكتابة الصحافية مجرد تسجيل حضور يومي والاحتفاظ بموقع متقدم من الحراك؟
وظيفتي الأولى فور تخرجي من الجامعة كانت صحافية في صحيفة “الحياة” ولا أزال أشعر بأن شغفي في الكتابة بمختلف أنماطها. كتاباتي في التحليل السياسي والقراءات النقدية والانطباعية وهي ليست مقالات بالمعنى الحرفي. ولا أعتقد أن الكتابة الصحافية مجرد تسجيل حضور يومي، لأن ذلك بتصوري سوداوي محبط، وأتمنى أن من يكتب قد اختار ذلك نتيجة شغفه الكتابي ولأن لديه شعورا بأن هناك ما يمكن تقديمه، إلا أن من المؤكد أن ليس كل من يكتب يؤمن بذلك.
هل هناك كتب معينة أسرتك أكثر من غيرها؟
ليس لديّ كتب معيّنة لكنني أميل بصفة خاصة للواقعية السحرية، من الأعمال التي استهوتني “العمى، المسخ، خزي، كافكا على الشاطئ، دون كيخوت، اختراع العزلة، عطر، الجميلات النائمات، المزحة، شيطنات الطفلة الخبيثة، حفلة التيس وعقدة الأفاعي”. ومن الأعمال العربية “تلك العتمة الباهرة، واحة الغروب، وليمة لأعشاب البحر، موسم الهجرة إلى الشمال، أولاد حارتنا، الخبز الحافي، عطارد، ترمي بشرر وفرانكشتاين في بغداد”.
هل تؤيدين أن الخلفيات الاجتماعية، الفكرية، والدينية أسهمت في ترسيخ مفهوم انتقاص عقلية وكينونة المرأة في المجتمعات العربية؟
جميع الأديان والمجتمعات بشكلٍ عام تقليدية في اختيارها لأدوار المرأة. إلا أن العالم تطور ونقل المرأة لدور محوري في المساهمة في المجتمعات وعزز من كينونتها. مجتمعاتنا لا تزال في طور التحول في مجال تمكين المرأة، إلا أن ما نشهده إيجابي، وأنا متفائلة بمستقبل تصبح فيه المرأة العربية أكثر فعالية ويصل صوتها
إلى العالم من دون رهبة اوالإشادة بها وكأنها مخلوق يختلف عن الرجل أكل ما تنجزه يعدّ غريباً أو أمراً خارقاً للطبيعة لمجرد أنها امرأة.
ما الذي تفتقده المبدعة وينقصها في مجتمعاتنا وهل تفكرين في المحاذير أثناء كتابتك؟
لا أضع في الحسبان المحاذير أثناء الكتابة، إن فعلت ذلك فسيكبح من قدرتي على التوصيف وحياكة الشخصيات والأحداث. وأنا أجد أن المبدعة في مجتمعاتنا نظيرة الرجل،وأتمنى أن يتوقف المجتمع العربي عن التعامل معها وكأنها مخلوق مختلف عن الرجل.
تعيشين في مجتمع محافظ له عاداته وتقاليده كيف تتعاملين مع ذلك أدبياً؟
لا أفكّر في العادات والتقاليد اثناء الكتابة، ولا أتصوّر روائيا يفعل ذلك، إلا إن كان سيكتب عملاً مشوّها متآكلاً، وأتصوّر أن الكتابة الإبداعية ليس الهدف منها مناقشة العادات والتقاليد أو محاربتها، هو عمل لا يستند على وقائع فعلية أو نظريات ولا يناقش قضايا المجتمع إلا من خلال أحداث.
كيف توفقين بين وظيفتك الدبلوماسية وعملك الإبداعي؟
الكتابة ملاذي الذي يخرجني من العالم الذي أعيشه ويدفعني للاستمتاع به، والغرق بالكتابة إلى الحد الذي أنسى فيه محيطي حتى أنتهي من الكتابة. الوظيفة الدبلوماسية تعيدني إلى عالمي الواقعي، وتكشف لي عن جانب شخصيتي العملي الذي يغرق بالحماسة حال الانغماس بالعمل. يستهويني العمل تحت الضغط، وقد أنجزت راويتي في فترة كنت فيها منغمسة بعمل منهك وبرامج تدريبية. وأفضل العمل على مشاريع متعددة من التوقف والتركيز على مشروع وحيد فأنا سريعة الملل أمقت الروتين.
هل أفادك العمل الدبلوماسي في كتاباتك المختلفة؟
ربما أتاح لي العمل الدبلوماسي السفر والانفتاح على الثقافات الأخرى ومن ثم رؤية العالم بمنظور مختلف. وهناك عدد من الروائيين الدبلوماسيين مثل المرحوم غازي القصيبي وماريو بارغاس يوسا تمكنوا من الغرق في المجالين.
هل الكتابة تمرد؟
الكتابة بوح وشغف وإدراك بما تتم كتابته وهو ليس تمرّد محض. لا بد من وجود جانب من التمرد في الكتابة وإلا كانت مملة رتيبة لا تنتج أي عمل أدبي مختلف.
هل تتعبك الكتابة، هل هي فعلاً كما يصفها البعض كجلد الذات؟
الكتابة شغفي، أستمتع بها ولا أجدها متعبة، هي وسيلة للتعبير والبوح وابتكار فضاء وعوالم مختلفة. تتعبني حالة اللا كتابة أكثر حين تنفد الأفكار أو تجف مصادر الإلهام لفترة مؤقتة.
هل تؤمنين بضرورة أن ينال الكتاب المنشور نقداً أدبياً للإسهام في سرعة انتشار أفكار الكاتب، ووصولها لمن يستهدفهم من القراء، أم أن تلقي القارئ المستهدف هو النقد الأصدق؟
أصبح التواصل مباشراً بين الكاتب والقارئ عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع التي تتكفل بوضع قراءات انطباعية من قبل القراء عن الأعمال الأدبية، بعيداً عن النقد الأدبي الذي يعاني من محدوديته وانتقائيته في اختيار الأعمال الأدبية.
كيف تؤثر الجوائز سلبا وإيجابا في مسيرة المبدع؟
لا تؤثر الجوائز بشكلٍ مباشر على مسيرة المبدع، إلا أنها إشادة أو احتفاء بأعماله، تزيد مقروئية أعماله حتماً من خلال حصده للجوائز بالأخص الشهيرة منها.
ما رأيك في الرواية العربية؟ وهل تعتقدين أنها وصلت إلى العالمية؟
لا نزال نعاني من ضعف ترجمة الأعمال الروائية العربية إلى اللغـــــات الأخرى، وهو ما يحد من وصولهـــا إلى العالمية
بشكلٍ كبير. هنـــــاك عدد من الروايات العربية تستحق الترجمة والإشادة.
هل ترين أن الحريات العربية مازالت تعاني من القيود؟
من المؤكد لا نزال نعاني من كبح الحريات العربية، إلا أن العولمة والانفتاح نحو العالم الخارجي دفعا بنا إلى التقارب مع الشرق والغرب وزيادة الوعي والنضج والقدرة على متابعة الأخبار وقراءة الكتب من مختلف المصادر.
ما أهم المشكلات التي تواجه الثقافة العربية والأديب العربي؟
ضعف النشر وعدم وجود مردود مادي يمكنه من التفرغ للعمل الإبداعي، وضعف الترجمات.
ما جديدك؟
لديّ مشاريع كتابية عدّة إلا أنّها لم تتبلور بعد.

نداء أبوعلي
You might also like