هل اعتصام ساحة الإرادة كما أراد صالح المُلا ؟

0 224

حسن علي كرم

لماذا تزعم السياسي الشاب صالح المُلا التاجر بن التاجر بن التاجر، وحفيد المقرب والسكرتير الشخصي لأمراء الكويت السابقين، محرضاً على الاعتصام يوم الأربعاء الفائت في ساحة الإرادة، هل لكونه سياسيا ومحسوبا على المعارضة، ام لقربه من الزعيم التاريخي للمعارضة، و تالياً تأثره به، ام لكونه رافضاً الترشح للانتخابات الاخيرة احتجاجاً على الصوت الواحد، كل ذلك في اعتقادي وارد ومعقول، الا ان غير الوارد وغير المعقول هو ان يتزامن توقيت الاعتصام مع إعلان رئيس مجلس الامة مرزوق الغانم عن القانون المقترح في شأن معالجة أوضاع البدون.
والسؤال الأكبر ايضاً، لماذا توقيت الاعتصام يتلاقى مع المظاهرات العارمة في ساحتي لبنان و العراق، هل ثمة اتفاق ام مصادفة؟ لعله أمدنا بتفسير أزال عن اذهاننا بعض الالتباس والغموض.
انا شخصياً عندما عمت شوارع لبنان والعراق نيران المظاهرات انتابني خوف من انتقال العدوى الى الكويت، لعل هناك اخرون يشاركونني هذا الخوف، فالتاريخ يتحرك لكنه أحياناً يدور دورته، ويعيد كرته وقد يفعل مفاعيله، فما زالت احداث 2011 و إرتداداتها مستمرة في الكويت، و في غيرها من بلدان “الربيع العربي” بعض الزملاء الذين اضطلعتهم على هواجسي خففوا علي الامر، بتأكيداتهم ان ما يدور في لبنان والعراق من مطالب شعبية ليس بالضرورة متسقا مع الشارع الكويتي، لكن هؤلاء الزملاء يبدو أنهم قد نسوا او تناسوا ان هناك قواسم مشتركة تجمع الشعوب العربية، مثل الفساد وغياب العدالة الاجتماعية و المحاصصة و تدهور مستوى التربية والتعليم و الصحة وغير ذلك من الاوضاع السيئة، فالهم العربي واحد وإن اختلفت العناوين و المسميات.
انفجار المظاهرات في العراق ولبنان في توقيت واحد كان كافياً لكي يسأل الناس، لماذا لبنان والعراق معاً؟ و لماذا في هذا التوقيت الذي تعيشه المنطقة، وهي اوضاع ليست عادية؟ وتساءل اخرون من يقود المظاهرات، هل يصح ان نصدق انها مظاهرات شعبية عفوية بلا قيادات او زعامات، وانها نابعة من معاناة الشارع، وتساءلوا من يمد المتظاهرين بالخدمات اللوجستية ومن ينظم لهم الاشعار والشعارات والأغاني والهتافات ومن يصرف على كتابة اللافتات والصور والاعلام؟
جملة التساؤلات تلك، التي حارت معها النفوس القلقة، ظهرت حقيقتها في مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث راينا في بغداد شابا جالسا على الارض، وبيده رزمة من الأوراق النقدية، محاطاً بزمرة من الشباب دون العشرين من العمر، ويقوم حامل الرزمة بتوزيع مبالغ من تلك العملة الورقية على الشباب المحاطين به، ثم يأمرهم بالذهاب الى المكان المحدد الى كلٍ منهم، هذه الصورة كشفت عن صورة لم تكن واردة في اذهان الكثيرين الذين يرون ان المظاهرات العارمة في العراق وضع طبيعي في ظل الاوضاع المعيشية السيئة والفساد السياسي.
المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات والامتناع عن العمل، تختلف العناوين والمسميات لكن يبقى الهدف واحدا، هو تعبير عن رفض للاوضاع غير القانونية و الشاذة، و فقدان للعدالة و المساواة بين ابناء الوطن الواحد، ومن الغريب ان تلك المطالبات المظلومية مشتركة لكل المجتمعات التي تعمها المظاهرات والتذمر.
الكويت ليست بافضل حال من العراق ولبنان وبلدان أميركا اللاتينية، التي تتزامن اجواء المظاهرات في بعض بلدانها مع مظاهرات المنطقة العربية، فالفساد والمحاصصة والقبلية وتردي الخدمات وغياب العدالة الاجتماعية، و تردي التعليم و الصحة، كل ذلك وغيرها لا يخلو منه بلد عربي من مشرقه إلى مغربه، فالهم واحد، لكن تبقى الكويت حالة استثنائية، فهي في عرف الدول الاكثر ثراءً فهي ثرية، وتسبح على بحيرةٍ من النفط واستثمارات توازي المليارات، ورغم ذلك هناك مزاعم حكومية، عجز في الموازنات السنوية، وافلاس للصندوق الاحتياطي، و”الموس” وصل للرأس، بينما في الوقت نفسه، هناك فساد حكومي، لا “تشيله بعارين”، وتضنين على المواطنين، إلا أنها اي حكومتنا سخية، ويدها مفتوحة لطالبي القروض والمدد المالي، حيث يوقع بكل أريحية وزير خارجيتنا المبجل، وعلى محياه ابتسامة عريضة، على الشيكات المليونية و المليارية التي تمنح لدول مستحقة وأكثرها لا تستحق، بل و الأنكى أن أغلبية هذه القروض المليونية تالفة لا ترد، فهل يلام المواطن اذا خرج للشارع محتجاً؟
الأغلبية الساحقة من المواطنين ضد الاحتجاجات والمظاهرات والفوضى، فالمواطن الكويتي بطبعه مسالم، لكن ذلك لا يعني انهم راضون عن الاوضاع الخربة، و هذا على ما يبدو لا تشعر به الحكومة التي تُغطس قدميها في ماء بارد، وتغني أغنية الراحلة الشحرورة صباح “على دلعونه على دلعونه”، او تغني أغنية الراحلة دلوعة الشاشة العربية “سعاد حسني الدنيا ربيع و الجو بديع، سكر على كل المواضيع”، متناسية ان السكوت ليس معناه في كل الأوقات علامة الرضا و الانشراح.
صالح المُلا الذي تزعم وتحمل المسؤولية القانونية عن احتجاجات ساحة الإرادة الاربعاء الفائت، صالح المُلا حدد موضوع الاعتصام الصامت على قضية الفساد، وحسب، لكن انفلت الزمام من يده وتحولت ساحة اعتصام الأربعاء الى سوق جمعة، و “كركيعان”، فضاعت الصقلة، فكل حمل بضاعته ليعرضها على رواد الساحة، فمن جاء صادحا بقضية البدون وارحل يا مرزوق، واخرون يجأرون باسقاط القروض، و ثالثهم يدعون الى العفو عن المساجين والهاربين، يعني بصريح العبارة فقد اعتصام الأربعاء ميزته، وأكيد شعر المُلا بفقدان السيطرة على الوضع وخيبة الأمل، و اظن الحكومة نامت في تلك الليلة مطمئنة قريرة العين، وان اعتصامات ساحة الإرادة لم تحمل لها اي رسالة بعلم الوصول.

صحافي كويتي

You might also like