هل بإمكانك أن تكره شخصاً تحبه؟

0 157

يقول سيغموند فرويد:
الكلاب تحب أصدقاءها وتعض أعداءها، تماما على عكس الناس غير القادرين على الحب الخالص والذين يضطرون دائمًا إلى الخلط بين الحب والكراهية.
ويقول ألدوس هكسلي:
الاتساق يتعارض مع الطبيعة ويتعارض مع الحياة. الناس الوحيدون المتناسقون تمامًا ماتوا.
عندما نكون متسقين، فإننا نتصرف بطريقة مماثلة بمرور الوقت. رغم أن هذا قد يبدو شيئًا جيدًا إلا أن قيمة الاتساق في عالم الرومانسية معقدة، حيث إن العواطف شديدة الحساسية للتغيير. ومن ثم فقد تكره الشخص الذي تحب وهو مثال على هذا السلوك الذي يبدو غير متناسق.
التناسق المختلف عليه:
يقول لينكولن تشافي: بنيت الثقة على الاتساق.
يقول بيرنارد بيرينسون: الاتساق يتطلب منك أن تكون اليوم جاهلاً كما كنت قبل عام.
والاتساق قيمة قابلة للنقاش في الرومانسية. فمن ناحية يُرسي قواعد الثقة والعلاقات المستقرة. ومن ناحية أخرى يدفعنا إلى تكرار سلوكنا رغم الظروف المتغيرة.
يمكن تعريف الاتساق على أنه “جودة التصرف أو الأداء بطريقة مماثلة أو دائمًا ما يحدث بطريقة مماثلة” (قاموس كامبريدج). هناك قيمة أساسية للثبات على السلوك المتسق، من دونه لم نتمكن من فهم البيئة والتفاعل معها. في العلاقات الشخصية، يساعدنا الاتساق على توقع سلوك الآخر، وبالتالي ندرك كيفية التعامل معه، وعند اختيار شريك حياة يبحث الناس عن سمات ثابتة وعميقة للفرد بدلاً من المميزات العرضية أو غير المتوقعة.
ومع ذلك يتغير الواقع ويتغير الناس من حولنا. وإذا تصرفنا بنفس الطريقة كل مرة فمعنى ذلك أننا لا نرى ما يجري حولنا وما يحدث بداخلنا. وهذا في الواقع كان السبب في انتقاد الفيلسوف هنري بيرجسون للتعقل الفكري الذي يعتمد في جذوره على الاستقرار وعدم التغيير، في حين أن الواقع يتميز بخصائص عكسية تمامًا،لأنه يتعلق بعدم الاستقرار والتغيير.
الاتساق هو في الأساس مطلب فكري له علاقة مشكوك فيها مع المواقف العاطفية. فهذه المواقف يولدها التغيير وتكون حساسة للسياق الذي تتفاعل فيه، ولا يكون الاتساق في قمة الأولويات المهمة. وإن المتطرفين الذين لديهم وعي محدود بالواقع، يميلون إلى الاتساق والجمود بينما من يقدرون التغيير هم أكثر مرونة،وبالتالي يبدون أقل تناسقًا.
إن قدرتنا على التعامل مع وجهات نظر متعددة وتقييم سياقات مختلفة يمكن أن تخلق تناقض عاطفي عندما ندرك القيم الإيجابية والسلبية في نفس الكائن. مثل هذا التناقض يمثل إشكالية للنظام الفكري والعقلي ولكن ليس للنظام العاطفي،فعلى خلاف المداولات الفكرية التي تسعى إلى الفهم الكامل، فإن المواقف العاطفية تكون جزئية وبالتالي يمكن أن تتعامل مع جوانب مختلفة وأحيانا متناقضة.
عدم الثبات الرومانسي المقيد:
يقول أحد المؤلفين المجهولين: أنا لا أثق في الكلمات، بل إنني أتساءل عن الأفعال، لكنني لا أشك في الأنماط..
ويقول أوسكار وايلد: الاتساق هو الملاذ الأخير للافتقار للخيال.
ليس هناك شك في أن الاتساق له قيمة معينة في عالم الرومانسية كذلك. بالكاد يمكننا تطوير عمق الرومانسية وبناء الثقة التي يكملها الهدوء من دون وجود درجة من درجات الاستقرار.
القضية الأكثر إثارة للاهتمام هي ما إذا كان ينبغي إلى جانب الاتساق العام، الدعوة إلى بعض التناقضات الرومانسية المحظورة المعتمدة على السياق.
لنأخذ على سبيل المثال ظاهرة التناقض العاطفي، وهو أمر شائع وطبيعي في سلوكنا العاطفي. فكر في حالة أرملة تحضر حفل زفاف ابنتها وشعورها بالبهجة، ولكنها أيضا تشعر بالحزن لأن زوجها الراحل والد العروس غير موجود. يمكن أن تستمر مشاعرها مختلطة طوال حفل الزفاف وحتى بعد ذلك. وهذه ليست تجربة غير متناسقة.
في ضوء الطبيعة الجزئية للعواطف، فيكون كل منظور جزئي فيها مناسبًا هذا التناقض العاطفي عن قدرة الإنسان على عقد وجهات نظر متعددة في آن واحد هو مهارة مهمة للبقاء والتعامل مع واقعنا المعقد. هذه القدرة تسمح لنا بمتابعة قيم معينة وتبني جهات نظر متعددة ويمكن أن يسفر ذلك عن ازدواجية عندما نلاحظ كل من الصفات الإيجابية والسلبية في شخص ما. يحاول نظامنا الفكري ترتيب كل هذه المنظورات في وجهة نظر واحدة شاملة. لا يمكنه تحمل تأكيد ونفي نفس الادعاء في نفس الوقت. ومع ذلك يمكن أن يتسامح نظامنا العاطفي مع مثل هذا الغموض.
كراهية شخص تحبه:
يقول ريك ريوردان: لا أحد يمكن أن يكرهك أكثر من شخص اعتاد أن يحبك. هذا مثال آخر واضح وصارخ على التناقض العاطفي أن نكره شخص نحبه.
عندما يقول الناس أنهم في علاقة يختلط فيها الحب بالكراهية، قد يشيرون إلى جوانب مختلفة من مواقفهم تجاه الحبيب. فهناك أجزاء من المحبوب يعجبون بها، وأجزاء أخرى لا يرضونها فيه بل وأحيانًا يكرهونها. هذه العواطف المختلطة من المنطقي أن تجعل العلاقة الغرامية معقدة.
في علاقة الحب والكراهية، يغير الناس اهتمامهم تحت سياقات مختلفة. وبالتالي، فإن التغيير في المواقف العاطفية. عندما يركز المحبون اهتمامهم على روح الدعابة التي يتمتع بها شريكهم، فهم يحبونهم كثيرًا. عندما يفكرون في الإذلال الذي يسببه شركاؤهم لهم، فإنهم يكرهونهم تماما فيقولوا مع الأغنية “أنا أكرهك، ثم أحبك. ثم أكرهك، ثم أحبك أكثر “( أغنية سيلين ديون ولوتشيانو بافاروتي) ويبدو أن مؤلفي الأغاني يعرفون هذه الديناميكية العاطفية.

You might also like