وداعاً حسني مبارك

0 322

أحمد عبد العزيز الجارالله

طوى حسني مبارك صفحة من كتاب التاريخ الذي خطَّه بالأفعال والأقوال، لكنه لن يرحل إلى النسيان، لأن من مثله يبقون في ذاكرة الشعوب، تدل عليهم إنجازاتُهُم.
نعم الكويت حزينة، تماماً كما هي مصر، على غياب الرجل جسدا، وهو الذي بقي الى آخر أيامه يسطر معاني الانتماء الوطني بتصميم كبير، حتى في أحلك الظروف حين خرجت رياح سموم “الإخوان” مصر ووجهت إليه الدعوات من دول عدة للمغادرة والإقامة في المنفى إلا أنه أصر على البقاء والصمود قائلاً: “هنا ولدت وهنا عشت وهنا أموت. ولن أغادر مصر”.
ترجم ايمانه بدولة المؤسسات، بدءاً من القضاء وصولا إلى أصغر موظف، لأنه كان يدرك أن مصر ولادة، وما بناه طوال 30 عاما من الحكم لم تقم أساساته على الكيدية، والمصالح الخاصة والانتهازية والنفعية، بل على التفاني في الخدمة العامة.
يشاء القدر أن يرى مبارك ثمرات ما زرعه قبل رحيله، أكان في العودة الى حكم المؤسسات، بعدما أسقط المصريون حكم “مكتب الاوغاد”، وتسلم القيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي نزولاً عند رغبة الملايين التي منحته الثقة، أو في استردادها نعمة الامن بعدما دحر جيشها العظيم الارهاب.
بصلابة واجه الدعاوى التي رفعت ضده ونجليه، لم يستفد من اي امتياز، فهذا المؤمن بوطنه كان يدرك جيدا أن لا سياج لمصر إلا بحكم المؤسسات والقضاء العادل النزيه، وان لاقوة للعرب إلا بتضامنهم، أما مشاريع الانقسام والمغامرات فهي مقتلهم، لذلك حين وقف في وجه نظام صدام حسين، رافضا أي مساومة على الكويت، مهما كانت المبررات والاغراءات، يومها جعل مصر بعظمتها خندقا اول في الدفاع عن اعدل قضايا القرن العشرين، ويشاء القدر ان يطوي صفحة العمر في ذكرى العيد الوطني للكويت، في حين كنا نتمنى ان يكون بيننا يحتفل معنا بهذه الذكرى التي لا شك مرت حزينة علينا بسبب رحيله.
الحزن الكويتي كبير جدا على من وقف إلى جانب هذا الشعب، مدافعا عنه تماما كما دافع عن الأمنين القومي المصري والعربي، فالرجل لم يوظف القضية الفلسطينية في متاهة المصالح الخاصة، ولم يرفع الشعارات الخلبية، بل سعى إلى أن تكون فلسطين لأهلها اذا أحسنت قيادتهم إدارة أمورها بالطريقة الصحيحة.
للأسف، قلة الذين أدركوا تلاعب جماعة الاخوان بهذه القضية كي تحقق المخطط الصهيوني المدعوم من ادارة اوباما، وجميعنا نذكر الرسالة التي أرسلها محمد مرسي الى قادة اسرائيل، والتنازلات الكثيرة التي قدمها لهم، سعيا من اجل ضمان البقاء في الحكم بغطاء اوبامي، غير ان الطوفان الشعبي المصري جرفه، ومعه “الاخوان” ايضا.
طوال السنوات العشر الماضية تعرض الرئيس الراحل لشتى صنوف الاذلال من جماعة
“إخوان الشياطين”، الذين مارسوا كل انواع القمع والتنكيل به، وبعائلته، لكن كان الحق في جانبه، فكلما كان القضاء يصدر حكم براءة في قضية كيدية، ابتدعوا له اخرى،كي يبقى سجين عدوانيتهم، وها هو يرحل بعد ايام قليلة من براءة نجليه، علاء وجمال، من دعوى قضائية، ليذهب الى بارئه بكتاب ابيض ليس فيه أي دنس.
رحم الله الرئيس حسني مبارك الذي لن ينساه الشعب المصري العظيم، ولا الشعوب العربية، ولا الشعب الكويتي، وتعازينا الى أسرته الكريمة، ومصر، قيادة وشعباً.

You might also like